مفاوضات روما تحت نار الجنوب.. الاحتلال الإسرائيلي يصعّد في لبنان ويختبر مسار التهدئة

بينما كانت الطاولات الدبلوماسية في روما تستضيف جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية برعاية أميركية، كانت الجبهة الجنوبية اللبنانية تشهد تصعيداً ميدانياً يعيد طرح السؤال الأصعب: هل يمكن لمسار التفاوض أن يصمد أمام استمرار الاعتداءات الإسرائيلية؟

ففي اليوم الثالث من المحادثات، شنّ طيران الاحتلال الإسرائيلي سلسلة غارات على بلدة المنصوري وعدد من البلدات الجنوبية، في تصعيد وصف بأنه الأوسع منذ انطلاق مسار التفاوض حول تثبيت الترتيبات الأمنية وإنهاء الأعمال القتالية.

وزعم جيش الاحتلال أن غاراته استهدفت ما سماها “بنى تحتية لحزب الله” في جنوب لبنان، مدعياً أنها جاءت رداً على مقتل جنود إسرائيليين وإصابة آخرين جراء انفجار في محيط بلدة مجدل زون. كما أكد مواصلة انتشاره في ما وصفها بـ”المنطقة الأمنية” جنوب لبنان.

في المقابل، ترى الأوساط اللبنانية أن استمرار الغارات والانتهاكات الجوية والبرية يعرقل أي فرصة لتحقيق استقرار فعلي، ويضع علامات استفهام حول جدية الاحتلال في الالتزام بأي تفاهمات مستقبلية.

اليونيفيل: الجنوب أمام وضع هش

وحذرت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” من هشاشة الوضع الميداني، مؤكدة استمرار تسجيل الانتهاكات الإسرائيلية للأجواء اللبنانية والتحركات العسكرية على الأرض.

وأعلنت القوة الدولية أنها رصدت إطلاق 113 مقذوفاً من قبل جيش الاحتلال خلال يوم واحد، وهو العدد الأعلى منذ 21 حزيران، مشيرة إلى أن مستوى العنف لا يزال أقل من ذروة الأشهر الماضية، لكنه يبقى مصحوباً بتوترات تهدد الاستقرار.

وأكدت اليونيفيل أن الالتزام بالقرار 1701، إلى جانب الحوار والتنسيق بين الأطراف، يمثل المسار الأساسي لخفض التصعيد واستعادة الهدوء في الجنوب اللبناني.

مفاوضات روما.. تقدم سياسي وعقد ميدانية

اختتمت الجولة السابعة من المفاوضات بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي في السفارة الأميركية في روما، وسط أجواء مشحونة بفعل التطورات الميدانية في الجنوب.

وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن النقاشات كانت “مثمرة للغاية”، وتركزت على الملفات السياسية والعسكرية وآليات تنفيذ “الإطار الثلاثي” الموقع بين لبنان والاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة.

لكن مصادر دبلوماسية أشارت إلى أن المحادثات واجهت عقبات مرتبطة بالخلاف حول توسيع المناطق التجريبية، وآلية وقف الانتهاكات الإسرائيلية، إضافة إلى الترتيبات الخاصة بالجهة التي ستتولى مراقبة تنفيذ الاتفاق.

وفي المسار السياسي، دار النقاش حول هوية الطرف الثالث الذي سيشرف على عمليات التحقق، في حين لم يتم التوصل إلى صيغة نهائية رغم وجود مقترحات من عدة دول.

أما في الجانب العسكري، فتركز البحث على آليات العمل داخل المناطق التجريبية وإمكانية توسيع نطاقها، مع طرح لبنان منطقتي الخيام وبنت جبيل ضمن المناطق المقترحة، بانتظار موقف الاحتلال.

وفي ملف الحدود، قدم الوفد اللبناني عرضاً مفصلاً مدعوماً بالوثائق حول الواقع الحدودي وخط الهدنة والخط الأزرق، وهو ما حظي بإشادة أميركية.

الجنوب يدفع ثمن التصعيد

ميدانياً، أعاد الاحتلال الإسرائيلي إشعال جبهة الجنوب عبر سلسلة غارات استهدفت المنصوري وحداثا ودير سريان وأرنون وزوطر الشرقية، إضافة إلى استهداف بلدة تبنين بطائرة مسيرة ما أدى إلى ارتقاء شهيد.

وسبق الغارات إنذار إسرائيلي لسكان بلدة المنصوري بإخلائها والابتعاد لمسافة كيلومتر واحد، ما دفع عدداً من الأهالي الذين عادوا إلى منازلهم بعد الحرب الأخيرة إلى النزوح مجدداً.

كما ترافقت الاعتداءات مع عمليات تفجير طالت منازل وبنى تحتية، في مشهد يعكس هشاشة واقع السكان في المناطق الحدودية، حيث ما تزال العودة إلى الحياة الطبيعية رهينة التطورات العسكرية.

بين مسار التفاوض ومنطق القوة

أكد وزير الدفاع اللبناني خلال زيارة إلى بلدة زوطر الغربية استعداد الجيش اللبناني للانتشار في المناطق التي ينسحب منها الاحتلال، مشدداً على تمسك الدولة اللبنانية باستعادة كامل أراضيها وبسط سيادتها على الجنوب.

لكن استمرار التصعيد الإسرائيلي بالتزامن مع المفاوضات يكشف التناقض القائم بين المسار السياسي والواقع الميداني. ففي الوقت الذي تبحث فيه الأطراف عن ترتيبات أمنية جديدة، يواصل الاحتلال فرض وقائع على الأرض عبر الغارات والتهديدات، ما يجعل أي تفاهم هشاً ما لم يترافق مع وقف فعلي للانتهاكات واحترام السيادة اللبنانية.

ويبقى الجنوب اللبناني عالقاً بين طاولة تفاوض تحاول إنتاج تسوية، وميدان لا يزال يثبت أن لغة النار لم تغادر المشهد بعد.

 

اقرأ أيضاً: حزب الله يرفض “اتفاق واشنطن”.. لبنان أمام معادلة جديدة بين السيادة وضغوط نزع السلاح

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.