أراضي انحسار الفرات في دير الزور.. ملك عام يتحول إلى سيطرة أمر واقع
مع كل تراجع جديد في منسوب مياه نهر الفرات، تظهر على ضفافه في محافظة دير الزور مساحات واسعة من الأراضي التي كانت مغمورة بالمياه لسنوات. هذه الأراضي، التي تُعد قانونياً من الأملاك العامة للدولة، تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى ساحة استيلاء غير معلن، يجري في وضح النهار ومن دون أي قرارات رسمية أو إجراءات قانونية واضحة، ما يفتح الباب أمام واقع جديد تفرضه القوة والنفوذ أكثر مما يحكمه القانون.
من سرير النهر إلى “أرض مستثمرة”
يتكرر المشهد ذاته مع كل انحسار لمياه الفرات. تبدأ الأرض الطينية بالظهور تدريجياً، ثم تتسع مساحتها خلال أشهر قليلة لتتحول إلى رقع واسعة قابلة للزراعة أو الاستثمار. عند هذه المرحلة، لا ينتظر الراغبون في الاستفادة من هذه الأراضي صدور أي قرار رسمي، بل يبادرون مباشرة إلى فرض السيطرة عليها، عبر حراثتها أو إحاطتها بسواتر ترابية، أو زراعة محاصيل سريعة تثبت “الأمر الواقع”.
وفي حالات أخرى، تجاوز الاستيلاء النشاط الزراعي ليشمل إقامة مشاريع ثابتة، مثل مكابس البلوك وغيرها، في إشارة واضحة إلى أن الأرض باتت تُعامل كملكية خاصة، رغم عدم وجود أي سند قانوني يثبت ذلك.
ويشير أحد سكان دير الزور، في حديث صحفي، إلى أن السؤال عن أصل الأرض أو ملكيتها لم يعد مطروحاً، بل إن العامل الحاسم هو من يضع يده عليها أولاً. ويضيف أن التجاوزات امتدت من ضفاف النهر حتى الطريق العام، حيث لجأ بعض المستولين إلى ردم الأراضي ببقايا الأنقاض وإحاطتها بأسوار لمنع الاقتراب منها.
سيطرة بالقوة لا بالقانون
رغم وضوح الوضع القانوني لهذه الأراضي بوصفها أملاك دولة، فإن الاستيلاء عليها يتم في كثير من الحالات تحت غطاء اجتماعي يقوم على النفوذ والقوة. ففي بعض المناطق، يستند واضعو اليد إلى ثقلهم العشائري، وفي مناطق أخرى إلى علاقاتهم مع جهات نافذة، أو إلى كون أراضيهم الخاصة متاخمة لسرير النهر، ما يسهل تمددهم عليها.
ويرى المحامي رامي العساف أن هذه الظاهرة ليست جديدة، موضحاً أن الأراضي الناتجة عن انحسار النهر تُعد قانونياً من أملاك البلدية إذا كانت ضمن المخطط التنظيمي. إلا أن غياب الرقابة الصارمة يسمح لأصحاب الأراضي المجاورة بالتمدد عليها وفرض واقع جديد. ويؤكد العساف أن هذا الاستيلاء لا يمنح أصحابه أي حق قانوني ثابت، إذ يمكن استرداد هذه الأراضي في حال وجود مشروع حكومي أو حملات رسمية لإزالة التعديات، مشيراً إلى تجارب سابقة، مثل شق طريق الكورنيش، حيث لم يتمكن واضعو اليد من الاعتراض لأنها أراضٍ عامة بالأساس.
خسائر اقتصادية واجتماعية
لا يقتصر أثر هذه التجاوزات على الجانب القانوني فحسب، بل يمتد ليشمل خسائر اقتصادية مباشرة للدولة، التي تفقد مساحات كان يمكن إدخالها ضمن مشاريع زراعية منظمة أو استثمارها عبر عقود إيجار قانونية تعود بعائدات على الخزينة العامة، في وقت تعاني فيه المحافظة من شح الموارد وضعف الإمكانيات.
اجتماعياً، يكرس هذا الواقع حالة من التفاوت، إذ تتحول الأراضي العامة إلى امتياز لفئة محدودة قادرة على فرض سيطرتها، بينما يُقصى صغار المزارعين والعاطلون عن العمل والراغبون بإطلاق مشاريع صغيرة، رغم حاجتهم الماسة إلى مصادر دخل.
ويقول أحد الشبان الراغبين في افتتاح مشروع صغير إنهم مستعدون لاستئجار هذه الأراضي من البلدية بعقود رسمية وبمبالغ متفق عليها، لكنهم يخشون الاقتراب من الأراضي المستولى عليها، لما قد يترتب على ذلك من مشكلات أو تهديدات، في ظل غياب حماية قانونية فعلية للمستأجرين.
تداخل الصلاحيات وغياب الحسم
يطرح هذا الواقع تساؤلات حول الجهة المسؤولة عن حماية هذه الأراضي. نظرياً، تتقاسم المسؤولية عدة جهات، من بينها الموارد المائية والزراعة والإدارة المحلية والبلديات. إلا أن الحضور الفعلي على الأرض يقتصر، وفق مصادر محلية، على بلدية مدينة دير الزور، التي تقوم بمحاولات لملاحقة المستولين وأصحاب المشاريع المقامة على هذه الأراضي.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن تداخل الصلاحيات وضعف التنسيق بين الجهات المعنية، إلى جانب غياب توجيهات واضحة، خلق فراغاً إدارياً استغله الأفراد لفرض سيطرتهم وتحويل الملك العام إلى ملكيات أمر واقع.
ويقول رئيس بلدية دير الزور، المهندس ماجد حطاب، إن مراقبي البلدية ينفذون جولات يومية على الأراضي الناتجة عن انحسار النهر، وعلى المشاريع المقامة عليها، إلا أن نقص الكادر يحد من قدرة البلدية على ضبط جميع المخالفات. ويضيف أن محاولات سابقة لتأجيل إغلاق بعض المنشآت، بناءً على طلب اتحاد الحرفيين، لم تؤدِّ إلى تغيير ملموس، ما دفع البلدية إلى التوجه نحو تشميع المكابس المخالفة واستدعاء أصحابها.
واقع مفتوح على الفوضى
في المقابل، لم تصدر حتى الآن بيانات رسمية تحدد موقف الدولة من هذه الأراضي أو ترسم آلية واضحة لإدارتها واستثمارها، ما عزز الانطباع السائد بأن الاستيلاء عليها بات أمراً واقعاً لا يخضع للمساءلة.
ويرى متابعون أن ما يجري على ضفاف الفرات في دير الزور يتجاوز كونه تجاوزات فردية، ليعكس خللاً أعمق في إدارة الموارد العامة، حيث تحولت أراضي سرير النهر من ملك عام يفترض أن يخدم المجتمع ككل، إلى مساحات خاضعة لمنطق القوة والنفوذ، في ظل غياب حلول فعالة تضمن حماية الملكية العامة وتحقيق العدالة في الاستفادة منها.
اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة