هل تستطيع الحكومة السورية تحويل المكاسب الدبلوماسية إلى تعافٍ اقتصادي؟
تواجه الحكومة السورية اختباراً اقتصادياً يتجاوز ما حققته من انفتاح دبلوماسي وتوسيع علاقاتها مع المؤسسات الدولية والشركاء الاقتصاديين، إذ باتت مطالبة بتحويل هذه التطورات إلى نتائج ملموسة على مستوى الاستثمار والتمويل وإعادة الإعمار، في ظل اتساع الاحتياجات المعيشية وضعف قدرة الاقتصاد على التعافي.
ورغم أن تخفيف العقوبات واستعادة قنوات التعاون الخارجي يفتحان المجال أمام فرص اقتصادية جديدة، فإن الاستفادة منها تتطلب مؤسسات قادرة على إدارة الملفات المعقدة، وتنفيذ الإصلاحات، والتعامل مع الشروط الفنية والمالية التي تفرضها اتفاقيات التعاون والتمويل الدولي.
ويبرز هنا تساؤل حول مدى امتلاك الحكومة، برئاسة أحمد الشرع، الكوادر والخبرات اللازمة للانتقال من المكاسب السياسية إلى إدارة عملية التعافي، خصوصاً أن حجم التحديات يتطلب أكثر من تفاهمات دبلوماسية أو تعهدات مالية.
المكاسب الدبلوماسية تضع الحكومة أمام اختبار اقتصادي
يرى الباحث الاقتصادي السوري كرم شعار أن نجاح الحكومة في إدارة ملف العلاقات الخارجية وتخفيف العقوبات ينقل مسؤولية المرحلة المقبلة بصورة أكبر إلى الرئيس أحمد الشرع، معتبراً أن الإنجازات الدبلوماسية تمثل بداية المسار، لا ضمانة لتحقيق التعافي الاقتصادي.
وفي منشور عبر منصة «فيسبوك»، أشار شعار إلى أن التحركات الخارجية التي قادتها الحكومة أسهمت في رفع العقوبات خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، لكنه لفت إلى أن تجاوز المرحلة التالية يتطلب مهارات فنية تختلف عن الأدوات المستخدمة في العمل السياسي.
وبحسب طرحه، يمكن للتحركات الدبلوماسية أن تفتح المجال أمام تخفيف القيود الاقتصادية وتأمين أشكال مؤقتة من الدعم، مثل تغطية رواتب الموظفين أو توفير الغاز الطبيعي لفترة محدودة، إلا أن إدارة الملفات الاقتصادية وإحداث تغيير مستدام يتطلبان خبرات متخصصة وقدرات مؤسسية.
ويعكس هذا التقييم اختلاف طبيعة المرحلة المقبلة، إذ لم يعد التحدي مقتصراً على استعادة العلاقات الخارجية، بل بات مرتبطاً بقدرة المؤسسات الحكومية على إعداد البرامج الاقتصادية، ومتابعة الاتفاقيات، وتحويل فرص التعاون إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.
إدارة الملفات تحتاج إلى فرق متخصصة
وفي معرض حديثه عن أسلوب إدارة الملفات الخارجية، رأى شعار أن النهج الذي اعتمده وزير الخارجية أسعد الشيباني، والقائم على مركزية القرار وإدارة الملفات من خلال دائرة محدودة، ربما ساعد على تحقيق نتائج في المرحلة السابقة، لكنه قد لا يكون مناسباً للملفات الاقتصادية والفنية الأكثر تعقيداً.
وقال إن أسلوب «إدارة الرجل الواحد» قد تتراجع فاعليته مع الانتقال إلى مرحلة تتطلب مفاوضات تفصيلية وتنسيقاً مؤسسياً مستمراً، مشدداً على ضرورة توسيع مشاركة الخبراء والفرق المتخصصة في عمل الوزارات والمؤسسات الحكومية.
وتبرز أهمية هذا الجانب في أن الاتفاقيات الدولية لا تنتهي بمجرد التوصل إلى تفاهمات سياسية، بل تتطلب متابعة قانونية ومالية وفنية، إلى جانب القدرة على تنفيذ الالتزامات وتقديم البيانات والتقارير اللازمة للجهات الشريكة.
الاتفاق الأوروبي أمام مرحلة التنفيذ
يمثل استئناف التعاون مع الاتحاد الأوروبي أحد الملفات التي تختبر قدرة المؤسسات السورية على الانتقال من التفاهمات السياسية إلى العمل الاقتصادي المنظم.
وفي 11 أيار/ مايو 2026، قرر مجلس الاتحاد الأوروبي إنهاء تعليق بعض أحكام اتفاقية التعاون مع سوريا، الموقعة عام 1977، واستعادة تطبيقها بالكامل، بعد تعليق أجزاء منها على خلفية انتهاكات نظام بشار الأسد.
لكن عودة الاتفاقية إلى العمل لا تعني تلقائياً تدفق الاستثمارات أو استعادة التبادل التجاري لمستوياته السابقة، إذ يرتبط ذلك بقدرة الجانبين على تحديد آليات التنفيذ، ومعالجة العقبات القانونية والإدارية، وتوفير بيئة مناسبة لنشاط الشركات والاستثمارات.
وفي هذا السياق، أشار شعار إلى أن الإشارات السياسية التي صدرت عن الاتحاد الأوروبي فتحت المجال أمام إعادة التفاوض بشأن اتفاقية التعاون، لكنه اعتبر أن استكمال هذا المسار يحتاج إلى فريق سوري متخصص يمتلك القدرة على مناقشة التفاصيل الفنية ومتابعة المفاوضات حتى الوصول إلى نتائج عملية.
وتكشف هذه المسألة عن فجوة محتملة بين الانفتاح السياسي والقدرة التنفيذية، خصوصاً أن الاتفاقيات الاقتصادية تتطلب مؤسسات قادرة على التعامل مع ملفات التجارة والاستثمار والتمويل، وليس الاكتفاء بإدارة الاتصالات الدبلوماسية.
صندوق التعافي وإعادة الإعمار.. التمويل مرتبط بالحوكمة
يمتد التحدي إلى علاقات سوريا مع المؤسسات المالية الدولية، ولا سيما بعد الاتفاق مع مجموعة البنك الدولي على تأسيس صندوق ائتماني متعدد المانحين للتعافي وإعادة الإعمار، تحت اسم «START»، في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2026.
ويستهدف الصندوق توفير التمويل الميسر وضمانات الاستثمار والمساعدة الفنية وبناء القدرات المؤسسية، إلى جانب تنسيق مساهمات الدول والجهات المانحة وتوجيهها نحو أولويات التعافي.
غير أن إنشاء الصندوق لا يعني أن التمويل سيُتاح بصورة فورية أو من دون شروط، إذ ترتبط آليات التمويل الدولي عادةً بمتطلبات تتعلق بالحوكمة والشفافية والمساءلة، فضلاً عن قدرة الجهات الحكومية على تنفيذ المشروعات ومراقبة الإنفاق وتقديم تقارير دورية عن سير العمل.
وفي هذا الإطار، طرح شعار تساؤلات بشأن جاهزية الفرق السورية للتنسيق مع البنك الدولي والجهات المانحة، مشيراً إلى أن التمويل قد يُصرف على مراحل ترتبط بمستوى تنفيذ المشروعات والالتزام بالشروط المحددة.
وتزداد أهمية بناء هذه القدرات مع طبيعة الصندوق الجديد، الذي لا يقتصر دوره على توفير الأموال، بل يشمل أيضاً تقديم الدعم الفني وتعزيز أداء المؤسسات العامة. وهذا يجعل وجود فرق متخصصة داخل الوزارات والجهات الحكومية عاملاً أساسياً في إدارة التمويل والاستفادة منه.
216 مليار دولار لإعادة الإعمار
تتضح صعوبة المهمة عند النظر إلى حجم الأضرار التي خلفتها سنوات الحرب، إذ قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، تشمل أضراراً واسعة في البنية التحتية والمساكن والمنشآت الاقتصادية.
ويعني هذا الرقم أن التعافي لا يمكن أن يعتمد على التعهدات المالية وحدها، بل يحتاج إلى خطط تحدد الأولويات، وآليات واضحة لتوزيع الموارد، ومؤسسات قادرة على تحويل التمويل إلى مشروعات تنعكس على الخدمات والإنتاج وفرص العمل.
كما أن استقطاب الاستثمارات يتطلب معالجة التحديات المرتبطة ببيئة الأعمال، وتطوير الإجراءات الإدارية والقانونية، وتعزيز الثقة بقدرة المؤسسات على حماية الاستثمارات وإدارة المشروعات وفق معايير واضحة.
وفي ختام طرحه، دعا شعار إلى توسيع دور الخبراء والفنيين داخل مؤسسات الدولة، ومنحهم مساحة أكبر للمشاركة في صنع القرار وتنفيذ البرامج الاقتصادية، معتبراً أن التعافي المستدام يتطلب الانتقال من الاعتماد على التحركات السياسية إلى بناء قدرات مؤسسية متخصصة.
وبذلك، تواجه الحكومة السورية مرحلة تتحدد نتائجها بمدى قدرتها على استثمار الانفتاح الخارجي في تحسين الواقع الاقتصادي، وليس فقط في توسيع العلاقات الدولية. فبين تخفيف العقوبات والاتفاقيات الجديدة ووعود التمويل، تبقى كفاءة المؤسسات وآليات التنفيذ والرقابة عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه المكاسب ستتحول إلى استثمارات ومشروعات وفرص عمل، أم ستظل في إطار التفاهمات والتعهدات.