إيرادات الطاقة تموّل 55% من الخزانة السورية.. هل يستطيع القطاع مواصلة الإنفاق؟

تعتمد الخزانة السورية بدرجة كبيرة على إيرادات قطاع الطاقة، الذي تشير تقديرات اقتصادية إلى أنه أسهم بنحو 55% من إجمالي الإيرادات العامة خلال النصف الأول من عام 2026، في وقت يحتاج فيه النفط والغاز إلى استثمارات بمليارات الدولارات لتطوير الحقول وإعادة تأهيل البنية التحتية. ويطرح هذا الاعتماد تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على تمويل الرواتب والنفقات العامة، مع الحفاظ على الموارد اللازمة لاستدامة الإنتاج وتوسيعه.

وجاءت هذه الأرقام عقب تصريحات وزير الطاقة محمد البشير، خلال مؤتمر صحفي وجلسة استماع في مجلس الشعب، تحدث فيها عن اعتماد وزارة المالية على موارد وزارة الطاقة لتغطية نفقات، تشمل المشاريع الاستثمارية والأجور. واستناداً إلى الأرقام المعلنة، قدّر الخبير الاقتصادي محمد صالح فتيح أن مساهمة الوزارة بلغت نحو 1.5 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام، من أصل إيرادات عامة وصلت إلى 2.7 مليار دولار.

وتفتح هذه المعطيات نقاشاً حول بنية الإيرادات العامة في سوريا، ومخاطر ربط الإنفاق الحكومي بمورد يتأثر بالإنتاج المحلي والواردات وتكاليف الإمداد، فضلاً عن حجم الاستثمارات المطلوبة لتطوير قطاع الطاقة.

إيرادات الطاقة تشكل أكثر من نصف الموارد العامة

استند فتيح في تقديره إلى ما أعلنه وزير المالية عن بلوغ إيرادات النصف الأول من عام 2026 نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إفادة وزير الطاقة بأن وزارته قدمت ما يعادل 250 مليون دولار شهرياً، أي نحو 1.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

وبحسب هذه الأرقام، تعادل مساهمة وزارة الطاقة قرابة 55.6% من إجمالي الإيرادات المذكورة، وهي نسبة وصفها فتيح بالمرتفعة، معتبراً أنها تعكس اعتماداً كبيراً للخزانة العامة على موارد النفط والطاقة.

وقارن الخبير هذا المستوى من الاعتماد بما هو قائم في دول نفطية مثل السعودية، من حيث أهمية الإيرادات المرتبطة بالقطاع النفطي في تمويل الدولة.

ويرى فتيح أن تقديرات موازنة عام 2026 بُنيت على افتراضات غير واقعية، حتى بمعزل عن الأزمات الجيوسياسية الأخيرة. ويشير إلى أن الموازنة افترضت أن النفط والغاز سيسهمان بنسبة 28% من الإيرادات، رغم أن سوريا تستورد، بحسب تقديره، ما بين 50 و70% من احتياجاتها النفطية ونحو 75% من احتياجاتها من الغاز.

ويثير هذا التفاوت تساؤلات حول مدى استقرار الإيرادات المحصلة من قطاع يعتمد جزئياً على استيراد المواد التي يجري بيعها في السوق المحلية، سواء بصورة مباشرة أو من خلال فواتير الكهرباء.

وبحسب فتيح، فإن اضطراب حركة الشحن الدولي للنفط والغاز قد يرفع تكاليف النقل ويؤثر في وصول الإمدادات إلى السوق السورية. ولا تقتصر التداعيات المحتملة على توافر المواد وأسعارها، بل قد تمتد إلى النشاط الاقتصادي والإنتاج، بما ينعكس بدوره على الإيرادات العامة.

إنتاج النفط والغاز يواجه تحديات فنية ومالية

تواجه سوريا تحديات في تأمين احتياجاتها من الطاقة، حتى عند النظر إلى مستويات الإنتاج التي سجلتها قبل سنوات. فبحسب فتيح، ظل البلد مستورداً للغاز حتى خلال ذروة الإنتاج المحلي عام 2010، عندما كان الإنتاج يغطي نحو 80% من الاستهلاك.

وكان الطلب على الغاز مرشحاً للارتفاع مع الاتجاه إلى تشغيل محطات توليد الكهرباء باستخدامه بدلاً من الفيول، ما يزيد أهمية تطوير الإنتاج المحلي وضمان استقرار الإمدادات.

أما في قطاع النفط، فيشير فتيح إلى أن معظم الحقول السورية قديمة، وأن استخراج النفط منها بات يعتمد على تقنيات الاستخراج المعزز، ومنها ضخ المياه، وهي عمليات تزيد تكاليف الإنتاج وتخلّف مستويات مرتفعة من التلوث، وفق تقديره.

ويعزو الخبير إلى هذه التحديات بقاء الإنتاج عند حدود 100 ألف برميل يومياً، خلافاً لتوقعات سابقة تحدثت عن إمكانية مضاعفته خلال فترة زمنية قصيرة.

وفي ظل هذه الظروف، يبرز التحدي المالي المتمثل في توفير الأموال اللازمة لصيانة الحقول وتطويرها، بالتوازي مع تأمين احتياجات السوق وتمويل النفقات الحكومية.

تمويل الرواتب يثير تساؤلات حول استثمارات القطاع

لا تتعلق المسألة بحجم الإيرادات التي يحولها قطاع الطاقة إلى الخزانة فحسب، بل بكيفية توزيع هذه الموارد بين الإنفاق الجاري والاستثمارات اللازمة للحفاظ على الإنتاج.

ويشير فتيح إلى أن نفقات موازنة عام 2026 ارتفعت بنسبة 200% مقارنة بموازنة عام 2025، معتبراً أن الاعتماد على النفط والغاز لتمويل هذه الزيادة ينطوي على مخاطر، خصوصاً في ظل استمرار اعتماد سوريا على استيراد جزء كبير من احتياجاتها من المادتين.

ويحذر الخبير من أن توجيه إيرادات وزارة الطاقة والشركة السورية للبترول إلى تمويل الرواتب والنفقات الحكومية، بدلاً من إعادة استثمارها في الاستكشاف والتطوير وتأهيل المنشآت، قد يحد من قدرة القطاع على الحفاظ على مستويات إنتاجه الحالية أو زيادتها مستقبلاً.

وتزداد أهمية هذا التحدي بالنظر إلى حجم التمويل المطلوب لتطوير البنية التحتية. ويقول فتيح إن أعمال تأهيل منشآت الإنتاج وتوسعتها تحتاج إلى استثمارات تُقدّر بمليارات الدولارات، مضيفاً أن محدودية المعلومات المتاحة عن أنشطة الوزارة تجعل تقييم قدرتها الفعلية على تغطية هذه الاحتياجات أمراً صعباً.

وبذلك، تواجه السياسة المالية معادلة تتعلق بتلبية الاحتياجات العاجلة للخزانة، من جهة، وتأمين التمويل الضروري لاستمرار الإنتاج وتطويره، من جهة أخرى.

زيادة الأجور بين تحسين المعيشة وتوفير التمويل

تمثل زيادة رواتب العاملين في القطاع العام جانباً آخر من النقاش حول استدامة الإنفاق الحكومي. ويرى فتيح أن تقييم هذه الزيادة ينبغي ألا يقتصر على كلفتها المباشرة، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار أهدافها الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب بقية بنود الموازنة.

ويعتبر الخبير أن رفع الأجور كان ضرورياً لتحسين مستوى معيشة الموظفين وتجاوز خط الفقر، فضلاً عن دوره المحتمل في تنشيط الاستهلاك المحلي وتحريك عجلة الاقتصاد، نظراً إلى أهمية الطلب الداخلي في دعم النمو.

لكن الإشكالية، وفق فتيح، تكمن في زيادة الإنفاق الحكومي خارج بند الرواتب والأجور أيضاً، ما يوسع الاحتياجات التمويلية ويزيد الضغط على الإيرادات العامة.

وبحسب تقديراته، تجاوزت فاتورة الرواتب والأجور، بعد الزيادة الأخيرة، 250 مليون دولار شهرياً، أي ما يعادل نحو 3 مليارات دولار سنوياً.

وفي المقابل، يطرح الخبير تساؤلات بشأن مصادر تمويل بقية بنود الموازنة، التي تزيد قيمتها على 7 مليارات دولار، بما يشمل مخصصات الإنفاق الدفاعي والأمني المقدرة بنحو 3.5 مليار دولار.

ويرى فتيح أن هذه البنود تستدعي التدقيق والمراجعة في إطار تقييم أولويات الإنفاق، ومدى توافق الالتزامات الحكومية مع الإيرادات المتاحة.

الضرائب التصاعدية وإعادة هيكلة الإيرادات

تدفع محدودية الموارد المتاحة إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة، بدلاً من الاعتماد الواسع على إيرادات الطاقة. وفي هذا السياق، يدعو فتيح إلى زيادة الاعتماد على الضرائب التصاعدية، ولا سيما تلك التي تستهدف أصحاب الدخول والأرباح المرتفعة.

ويشير الخبير إلى أن جانباً مهماً من الإيرادات الحالية يأتي من عائدات النفط والغاز والرسوم الجمركية، معتبراً أن هذا النمط من التحصيل يحمّل المستهلك العادي جزءاً كبيراً من العبء المالي، بدلاً من توجيه نسبة أكبر منه إلى الأرباح المرتفعة.

وبحسب الأرقام التي أوردها فتيح، تشكل الضرائب والرسوم 28.7% من إجمالي الإيرادات العامة في سوريا، بينما تمثل الرسوم الجمركية 21.8%، لتصل حصة الموردين معاً إلى 50.5% من إجمالي إيرادات الخزانة.

وقارن فتيح هذه الأرقام ببنية الإيرادات العامة في مصر، حيث قال إن الضرائب والرسوم الجمركية تشكل نحو 87% من إجمالي الإيرادات العامة، ما يعكس اعتماداً أكبر على هذين المصدرين مقارنة بالنموذج السوري الذي يؤدي فيه قطاع الطاقة دوراً بارزاً.

وبناءً على ذلك، يرى الخبير أن إعادة هيكلة الإيرادات العامة تتطلب توسيع القاعدة الضريبية، وتطبيق نظام تصاعدي يراعي مستويات الدخل والأرباح، إلى جانب الحد من التهرب الضريبي.

ومن شأن هذا التوجه، وفق طرحه، تنويع مصادر التمويل وتقليل ارتباط الإنفاق العام بالتقلبات التي قد تطال إيرادات النفط والغاز.

عجز الموازنة يضع الحكومة أمام خيارات صعبة

يربط فتيح بين التحديات التمويلية الحالية وما يعتبره فجوة بين تقديرات الموازنة والإيرادات الفعلية. ويقول إن الإيرادات لم تكن تصل إلى 500 مليون دولار شهرياً خلال الأشهر الأولى من عام 2026، في حين تحتاج الموازنة، وفق تقديره، إلى إيرادات شهرية تبلغ 875 مليون دولار لتحقيق التوازن.

ويرى الخبير أن هذه الفجوة تعكس الحاجة إلى إعداد تقديرات أكثر واقعية للإيرادات والنفقات، بما يحد من مخاطر اتساع العجز وصعوبة الوفاء بالالتزامات المالية.

وفي ظل هذه المعطيات، يطرح فتيح مجموعة من الخيارات التي قد تلجأ إليها الحكومة، من بينها إجراءات تقشفية تشمل وقف بعض المشاريع الاستثمارية، وخفض استهلاك المحروقات، وتقليص تعويضات كبار المسؤولين، إلى جانب إعادة النظر في نظام الرواتب والتعويضات لموظفي القطاع العام.

كما يشير إلى احتمال اللجوء إلى الاستدانة لتغطية جزء من الاحتياجات التمويلية، لكنه يستبعد أن تكون كافية لسد العجز القائم، لافتاً إلى صعوبة الحصول على قروض لتمويل الإنفاق الجاري، وخصوصاً الرواتب والأجور.

وتعيد هذه الخيارات طرح السؤال الأساسي المتعلق بكيفية التوفيق بين متطلبات الإنفاق الحكومي العاجل والحاجة إلى تمويل الاستثمارات طويلة الأجل، في وقت تعتمد فيه الخزانة السورية بدرجة كبيرة على إيرادات قطاع يحتاج بدوره إلى موارد ضخمة للحفاظ على إنتاجه وتطويره.

اقرأ أيضاً:المالية السورية: موازنة 2027 الشهر المقبل والعجز يتصاعد إلى 1.8 مليار دولار

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.