غلاء المازوت يدفع أسر الجزيرة السورية إلى قطع الأشجار استعدادًا للشتاء

لم يعد تأمين التدفئة في منطقة الجزيرة مسألة ترتبط بقرب الشتاء فقط، بل تحوّل إلى عبء مالي يدفع أسرًا محدودة الدخل إلى البحث عن أي مادة قابلة للاشتعال. ففي مدينة جل آغا، اضطر نواف حسين محمد إلى قطع أغصان من أشجار الزيتون والتوت في منزله، وجمع الأخشاب اليابسة وسلال الخضار والفلين، في محاولة لتأمين وقود لا يستطيع شراءه بكميات تكفي أسرته.

وتأتي هذه الخيارات بعد رفع أسعار المشتقات النفطية في 13 أيلول، إذ وصل سعر ليتر المازوت إلى 175 ليرة سورية جديدة، بعدما كان 125 ليرة في التسعيرة السابقة. وبررت وزارة الطاقة الزيادة بارتفاع كلفة تأمين المشتقات عالميًا ودخول مصفاة بانياس في عمرة، وقالت إن التعديل مؤقت لضمان استمرار الإمدادات.

لكن التبرير الرسمي لا يغير كثيرًا من واقع الأسر التي تقيس الشتاء بعدد لترات المازوت التي تستطيع شراءها، لا بتقلبات أسواق الطاقة العالمية.

700 لتر للشتاء.. ودخل يومي لا يحتمل

يقول نواف، البالغ 54 عامًا، إنه يحتاج إلى نحو 700 لتر من المازوت سنويًا للتدفئة، بينما يعتمد في معيشة أسرته على دخل يومي من بيع الخضار بسيارة متنقلة بين القرى. وبالنسبة إلى أسرة بهذا الدخل، فإن شراء كامل احتياجات الشتاء دفعة واحدة يبدو أقرب إلى مهمة مستحيلة.

ولذلك اتجه إلى الحطب، ثم إلى مواد أخرى يمكن إحراقها داخل المدفأة. ويقول إنه يعرف مخاطر حرق بعض المخلفات على الصحة، لكنه لا يجد بديلًا قادرًا على تحمله ماليًا.

ولا تقف البدائل عند الأخشاب؛ إذ تلجأ أسر أخرى، بحسب شهادات محلية، إلى روث الحيوانات والملابس والأحذية القديمة والصناديق والفلين. وهي ممارسات تكشف إلى أي حد يمكن أن تنخفض خيارات الأسرة عندما يصبح وقود التدفئة سلعة تتجاوز قدرتها الشرائية.

غياب مخصصات التدفئة يضاعف الكلفة

تزداد الضغوط في الجزيرة مع غياب مخصصات مازوت التدفئة التي كانت توزع سابقًا في المنطقة. وبحسب المصدر المحلي، كانت العائلات تحصل سنويًا على نحو 300 لتر بسعر مدعوم، بينما لم يحصل السكان هذا العام على المخصصات نفسها بعد انتقال إدارة حقول النفط إلى الحكومة السورية الانتقالية.

وفي المقابل، طرحت الحكومة لاحقًا ثلاث شرائح لسعر المازوت، بينها سعر مدعوم يبلغ 115 ليرة لليتر مخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، وسعر 150 ليرة لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية، بينما بقي المازوت القياسي عند 175 ليرة.

غير أن الوصول إلى سعر معلن لا يعني تلقائيًا وصول الوقود إلى كل أسرة محتاجة، ولا يحل مشكلة الدخل المحدود إذا بقيت الكلفة الإجمالية للتدفئة خارج قدرة الأسرة على الدفع.

أزمة تتجاوز المدفأة

معاناة نواف لا تنتهي عند التدفئة. فمنزله القديم المبني من الطين لم يعد صالحًا للسكن، فيما حالت أسعار مواد البناء دون ترميمه أو بناء منزل مناسب. واضطر في مسكنه الجديد إلى استخدام الطين بدل الإسمنت لربط قطع البلوك، كحل فرضته محدودية دخله.

هكذا تتراكم الأزمات فوق بعضها: وقود مرتفع الكلفة، دخل محدود، مسكن غير صالح، ومواد بناء يصعب شراؤها. وفي كل مرة، لا تختفي المشكلة، بل تنتقل الأسرة إلى حل أكثر اضطرارًا وأقل أمانًا.

والأشد دلالة أن أثر رفع أسعار المازوت لم يبقَ محصورًا بالتدفئة؛ فقد أقرت وزارة النقل نفسها بأن تعديل الأسعار أثر بصورة كبيرة في حركة نقل البضائع، مع توقف شبه كامل للنقل في عدد من المحافظات وإضرابات لأصحاب الشاحنات.

في الجزيرة، يصل هذا الضغط إلى أبسط تفاصيل الحياة. وحين تصبح أغصان الأشجار ومخلفات المنازل وقودًا للتدفئة، فإن المسألة لم تعد مجرد ارتفاع في سعر المازوت، بل انعكاس مباشر لاقتصاد يدفع الأسر الأضعف إلى استهلاك ما تبقى لديها من موارد كي تتجاوز الشتاء.

 

اقرأ أيضاً: تعدد أسعار المازوت يثير هواجس الشتاء.. هل تكفي خطة الطاقة لضبط السوق؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.