من يرمم آثار حمص؟ عقد بمليارات الليرات يفتح باب الأسئلة
أعادت وثائق رسمية مرتبطة بعقد لترميم معلمين أثريين في حمص فتح النقاش حول آلية إسناد مشاريع الترميم، بعد توقيع وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار والمتاحف عقداً بقيمة 6.3 مليار ليرة سورية قديمة، أي ما يعادل نحو 456 ألف دولار، لتنفيذ أعمال في قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين.
وبحسب الوثائق التي استندت إليها التقارير المنشورة، صدر في 9 نيسان/أبريل 2026 أمر مباشرة إلى “شركة الطائر التجارية”، التي يمثلها عماد مصطفى يحيى ومحمد نور الأتاسي وشريكهما، للبدء بتنفيذ العقد رقم واحد الخاص بترميم وصيانة وتأهيل المبنيين الأثريين المملوكين لمديرية الآثار.
وتطرح المعطيات الواردة في الملف تساؤلات حول الخبرة المتخصصة للشركة في مجال ترميم المباني التاريخية، إضافة إلى الإجراءات الإدارية والقانونية التي رافقت إبرام العقد وإصدار أمر المباشرة.
عقد بمليارات الليرات وإجراءات محل تدقيق
تشير الوثائق، وفق ما أوردته الجهة التي نشرتها، إلى أن القيمة الإجمالية للعقد تبلغ 6.3 مليار ليرة سورية، وأن التنفيذ في موقع المشروع كان مقرراً أن يبدأ اعتباراً من الخميس 9 نيسان 2026.
وتقول التقارير المستندة إلى الملف إن قيمة العقد تتجاوز، بحسب التقييم القانوني الوارد فيها، سقف الصلاحيات المالية والإدارية الممنوحة لوزير الثقافة، وإن مثل هذا العقد يحتاج إلى موافقات إضافية، من بينها موافقة مجلس الدولة.
إلا أن هذه النقطة تظل ضمن المسائل التي تحتاج إلى تدقيق قانوني ورسمي مستقل لتحديد مدى انطباق القواعد الناظمة للتعاقد الحكومي على الحالة المذكورة، وما إذا كانت الموافقات المطلوبة قد استُكملت فعلاً.
وتشير الوثائق كذلك إلى تسلسل غير معتاد في توقيع أمر المباشرة، إذ تفيد المعطيات بأن وزير الثقافة وقع الأمر قبل وصوله إلى مدير المديرية العامة للآثار والمتاحف. وبحسب الرواية الواردة في الملف، كان مدير الآثار خارج مكتبه، قبل أن يتوجه المعنيون إلى مقر الجامعة حيث كان موجوداً ليوقع المعاملة هناك.
وتطرح هذه الواقعة بدورها سؤالاً حول التسلسل الإداري الذي اتُّبع في إصدار أمر المباشرة، وما إذا كان ترتيب التواقيع والإجراءات متوافقاً مع الأصول المعتمدة.
أسئلة حول خبرة الشركة في الترميم الأثري
من أبرز النقاط التي يثيرها الملف طبيعة الجهة التي أُسند إليها المشروع. فالتقارير المنشورة عن العقد تقول إن “شركة الطائر التجارية” لا تملك، بحسب المعلومات الواردة فيها، سجلاً معروفاً في أعمال ترميم المعالم التاريخية أو اختصاصاً معلناً في هذا المجال.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المشروع، الذي يشمل مبنيين أثريين في مدينة حمص، أحدهما قصر الزهراوي والآخر دار مفيد الأمين، بما يتطلبه هذا النوع من الأعمال من مراعاة للخصائص المعمارية والتاريخية للمباني خلال عمليات التدعيم والترميم.
وكانت صحيفة “الحرية” قد نشرت في وقت سابق أن دائرة آثار حمص أعدت دراسة هندسية ومالية لترميم وتأهيل دار مفيد الأمين، وقدرت الكلفة آنذاك بنحو 750 مليون ليرة، مع اقتراح إدراج المشروع ضمن الخطة الاستثمارية للمديرية العامة للآثار والمتاحف لعام 2025 أو 2026. كما أشارت إلى إعداد إضبارة لمشروع ترميم وتأهيل قصر الزهراوي بقيمة تقديرية بلغت 900 مليون ليرة في إطار خطط المديرية.
قصر الزهراوي.. مراحل سابقة من الترميم
يعود الجدل حول آلية تنفيذ المشروع أيضاً إلى تاريخ أعمال ترميم قصر الزهراوي، إذ تشير المادة إلى أن عمليات الترميم السابقة جرت على مراحل متعددة بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، ثم عام 2008، وصولاً إلى ترميم القسم الغربي من القصر عام 2020.
وبحسب المعطيات الواردة في الملف، كانت تلك الأعمال تنفذ من خلال الكوادر الفنية التابعة لمديرية الآثار والمتاحف في حمص، أو بصيغة “التنفيذ بالأمانة” في الأجزاء التي تحتاج إلى معالجة.
وتطرح المقارنة مع تلك المراحل تساؤلاً حول أسباب اعتماد صيغة تعاقدية مختلفة في المشروع الحالي، ولا سيما أن الملف يصف العقد الحالي بأنه من أكبر العقود المالية التي أُسندت إلى جهة تجارية خاصة لترميم هذا الموقع.
دار مفيد الأمين ومخاوف الترميم
أما دار مفيد الأمين، فتعود أهمية المشروع فيها إلى القيمة المعمارية والتاريخية للمبنى، الذي ظل لسنوات بحاجة إلى أعمال ترميم وتأهيل. وكانت وكالة سانا قد نشرت في أيلول/سبتمبر 2025 تقريراً عن الدار، ووصفتها بأنها من أبرز المعالم التاريخية في مدينة حمص القديمة، مشيرة إلى خصوصية تصميمها وقيمتها التاريخية.
وبحسب المعطيات الواردة في المادة، فإن أعمال ترميم الدار تحتاج إلى خبرة متخصصة في التعامل مع المباني الأثرية، وهو ما يعيد طرح السؤال حول مدى امتلاك الجهة المتعاقد معها للمؤهلات الفنية اللازمة لتنفيذ المشروع وفق المعايير المطلوبة.
المناقصة والبدائل المتاحة
إلى جانب الخبرة الفنية، يثير الملف تساؤلات حول الطريقة التي جرى من خلالها اختيار الشركة، وما إذا كان المشروع قد طُرح أمام شركات متخصصة عبر مناقصة علنية أم أُسند بطريقة أخرى.
كما يطرح التقرير سؤالاً بشأن إمكانية الاستفادة من برامج ومنح منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” وخبراتها في مجال ترميم المواقع التراثية، بدلاً من الاعتماد على عقد تجاري بهذا الحجم.
وتبقى الإجابة عن هذه الأسئلة مرتبطة بالوثائق الكاملة لملف التعاقد، وآلية الاختيار، والموافقات القانونية والفنية التي حصل عليها المشروع، إضافة إلى سجل الشركة ومؤهلاتها في مجال الترميم الأثري.
ويضع الملف، في المحصلة، عقد ترميم قصر الزهراوي ودار مفيد الأمين أمام الجهات الرقابية للتحقق من سلامة الإجراءات المتبعة، ومدى توافقها مع القواعد المالية والإدارية، وكذلك من ملاءمة الجهة المنفذة لطبيعة مشروع يتعلق بمبانٍ ذات قيمة أثرية وتاريخية في مدينة حمص.
اقرأ أيضاً: هجوم حاد من خطباء المساجد على حفل أصالة في دمشق