طرق الرقة تحت رحمة الترميم.. مشاريع متفرقة لا تسد فجوة سنوات الخراب
بعد سنوات طويلة تحولت فيها طرق الرقة إلى سجل مفتوح للحرب والإهمال، تحاول المدينة اليوم استعادة بعض ما فقدته عبر مشاريع لتأهيل الشوارع والمحاور الرئيسة ومداخلها. لكن الخطوات التي يطلقها مجلس المدينة تبدو، حتى الآن، أقرب إلى معالجة أجزاء من المشكلة منها إلى مشروع متكامل يعيد بناء شبكة البنية التحتية التي أنهكتها سنوات الصراع.
ترميم الطرق في مدينة أنهكها الإهمال
أطلق مجلس مدينة الرقة مجموعة من المشاريع الخدمية تستهدف صيانة وتعبيد عدد من الطرق الرئيسة والفرعية وتأهيل المداخل الشرقية والجنوبية، في مسعى لتحسين حركة المرور ورفع مستوى الخدمات. وتشمل الأعمال إعادة تأهيل المدخل الجنوبي الواصل إلى جسر الرقة الجديد بطول 4 كيلومترات، وتنفيذ مشروع الكورنيش الجنوبي الممتد لنحو 4.5 كيلومترات، إضافة إلى تأهيل طريق المشلب بطول 3.8 كيلومترات.
وكان المجلس قد بدأ في 29 حزيران الماضي أعمالاً لصيانة عدد من الطرق داخل الأحياء السكنية، ضمن مراحل متتالية ما تزال مستمرة.
لكن حجم المشاريع لا يبدو متناسباً مع اتساع الفجوة الخدمية التي خلفتها سنوات الحرب. فالرقة لا تعاني من حفر وتصدعات في الإسفلت فقط، بل من شبكة طرق وبنية تحتية تآكلت بفعل الحرب، وتراجع الصيانة، ومحدودية الاستثمار العام، ما يجعل أعمال الترميم المتفرقة عاجزة عن معالجة أصل المشكلة.
ويقول سكان إن تحسن بعض المحاور لا يلغي بقاء الحاجة إلى إعادة تأهيل أوسع وأكثر انتظاماً، خصوصاً في الطرق التي تشكل شرايين للحركة التجارية والنقل داخل المدينة وحولها.
محمد خليفة، أحد سكان الرقة، يرى أن المشاريع الحالية “خطوة إيجابية”، لكنها تظل أقل من حجم الاحتياجات المتراكمة، مشيراً إلى أن المدينة لم تشهد بعد خروج تنظيم “الدولة الإسلامية” عام 2017 انطلاقة واسعة في مشاريع إعادة التأهيل، بسبب محدودية الإمكانات والموارد.
طرق حيوية.. ومعاناة لم تنته
وتبرز المشكلة بوضوح في الطريق الممتد بين دوار المزارع ومدخل الجسر الجديد، أحد أهم المحاور المرورية في المحافظة. ويشير باسل بكر، من أبناء الرقة، إلى أن تفاوت مناسيب التزفيت ما يزال يعرقل حركة المركبات، خصوصاً مع المرور المستمر للشاحنات والصهاريج الثقيلة.
أما رئيس دائرة الدراسات في مجلس مدينة الرقة، جمعة حجاج، فيوضح أن الأعمال تشمل المجبول الأسفلتي والأرصفة والجزر الوسطية وشبكة الإنارة، مع تأهيل طرق بعروض تصل إلى 24 متراً، فيما يبلغ عرض الكورنيش الجنوبي نحو 30 متراً.
وتكتسب الطرق المحاذية لنهر الفرات أهمية إضافية، باعتبارها مسارات مخصصة للشاحنات الثقيلة، بما يخفف الضغط عن الشوارع الداخلية ويحد من الأضرار التي تسببها الحمولات المرتفعة.
فاتورة خراب لم تُسدّد بعد
ولا يمكن فصل واقع الطرق عن الصورة الأكبر للدمار الذي أصاب الرقة. فقد أظهر أطلس لمعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث (UNITAR)، نشر عام 2019، حجم الأضرار التي لحقت بالمحافظة، إذ رصد 3326 مبنى مدمرًا كلياً، و3962 مبنى مدمرًا بدرجة بالغة، و5493 مبنى متضررًا جزئياً، بإجمالي 12781 مبنى متضرراً.
هذه الأرقام لا تصف واقع الأبنية وحده، بل تعكس حجم التركة التي يفترض أن تواجهها الدولة في ملف إعادة الإعمار والخدمات. غير أن استمرار الاعتماد على مشاريع محدودة ومتفرقة يضع الرقة أمام خطر بقاء المعالجة الخدمية في دائرة الترميم المؤقت، بدلاً من الانتقال إلى إعادة بناء حقيقية.
وبالنسبة للحكومة الانتقالية، فإن الاختبار لا يكمن في رصف بضعة كيلومترات جديدة، بل في قدرتها على تحويل ملف البنية التحتية في الرقة من استجابة جزئية للأعطال إلى خطة طويلة الأمد، واضحة التمويل والأولويات، تستعيد للمدينة طرقها وخدماتها بعدما دفعت ثمن سنوات الحرب والإهمال من عمرانها واقتصادها وحياة سكانها.
اقرأ أيضاً: مشاريع الطرق في سوريا.. مسارات جديدة لإنقاذ شبكة أنهكتها سنوات الإهمال