شهدت محافظة السويداء في الأسابيع الأخيرة موجة عنف غير مسبوقة، تمثلت بهجمات قوات الحكومة الانتقالية ومجموعات بدوية موالية لها على القرى والبلدات، مما أسفر عن سقوط مئات القتلى والجرحى، ونزوح آلاف المدنيين إلى المناطق الداخلية. الحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع لم تتخذ إجراءات جادة لحماية المدنيين، بل اكتفت بسياسات الحصار والتضييق، ما زاد من معاناة السكان وخلق حالة إنسانية طارئة.
في هذا السياق، ظهرت الدعوات لإنشاء ممر إنساني يربط السويداء بمنافذ خارجية، بهدف تأمين وصول المساعدات الطبية والغذائية إلى المدنيين المتضررين. الهدف المعلن للممر هو توفير شريان حياة لسكان المحافظة، إلا أن طبيعته الجغرافية والسياسية تثير تساؤلات حول جدوى هذا الحل وإمكانية استغلاله سياسيًا.
الهجمات البدوية: فشل الدولة في حماية المدنيين
الهجمات الأخيرة ليست حدثًا عابرًا، بل انعكاس لفشل الدولة في إدارة الأمن المحلي، خصوصًا في المناطق الريفية. مجموعات مسلحة استغلت الفراغ الأمني لتوسيع نطاق نفوذها، بينما الحكومة المركزية تواصل حصار السويداء، وتفرض قيودًا مشددة على الحركة والموارد الأساسية. النتيجة: معاناة متصاعدة للسكان، وتآكل الثقة في قدرة الدولة على حماية مواطنيها.
الممر الإنساني: ضرورة عاجلة
في ظل هذا الواقع، أصبح الممر الإنساني ضرورة لا تحتمل التأجيل. المدنيون بحاجة إلى الغذاء والدواء والأمن، ووجود هذا الممر قد يخفف من آثار النزاع ويمنع المزيد من الكارثة الإنسانية. إلا أن أي خطط لإدخاله يجب أن تكون خاضعة للرقابة المحلية المباشرة، بعيدًا عن أي تدخل خارجي قد يحرف الممر عن هدفه الأساسي.
الممر المقترح، وفق المخططات المبدئية، قد يبدأ من النقاط الحدودية الآمنة ويمر عبر مناطق خاضعة لسيطرة الدولة، وصولًا إلى مراكز النزوح في السويداء. الهدف الأساسي يجب أن يبقى إنسانيًا صرفًا، لا سياسياً ولا عسكرياً، بحيث يضمن وصول المساعدات إلى كل محتاج دون أي تدخل خارجي يهدد سيادة الدولة أو يفتح الباب لاستغلال الأزمة.
الحصار الحكومي: العقبة الكبرى
حكومة أحمد الشرع تتحمل المسؤولية الأكبر في تدهور الأوضاع. سياسات الحصار وتقييد الحركة فرضت ضغطًا إضافيًا على السكان، وأدت إلى ارتفاع الأسعار ونقص المواد الأساسية، بما في ذلك الوقود والدواء. هذه الإجراءات زادت من هشاشة المجتمع المحلي، ودفعت السكان إلى البحث عن أي وسيلة للخروج من الأزمة، بما في ذلك الممر الإنساني المقترح.
الممر الإنساني: المسار والإستراتيجية الإسرائيلية
الممر الإنساني بين “إسرائيل” والسويداء المقترح لا يظهر فجأة على الخريطة؛ فالمسار الذي يُبحث عنه يبدأ غالبًا من المناطق الحدودية بين السويداء ودرعا، مرورًا بمناطق شبه صحراوية خاضعة جزئيًا لسيطرة الحكومة الانتقالية، وصولًا إلى مراكز النزوح في المحافظة. الهدف المعلن هو إيصال المساعدات الطبية والغذائية إلى المدنيين المتضررين من الهجمات المسلحة والحصار الحكومي، لكنه في الوقت ذاته يخفي أهدافًا سياسية واستراتيجية إسرائيلية واضحة.
“إسرائيل” ترى في الممر فرصة لإعادة ضبط نفوذها في الجنوب السوري، وبخاصة على الأقلية الدرزية التي تعتبرها شريكًا ثقافيًا وسياسيًا في المنطقة. الهدف ليس مجرد مساعدة إنسانية، بل اختبار لمدى قبول الحكومة السورية الانتقالية بالتنسيق الإسرائيلي، وإيجاد منفذ ضغط محتمل على دمشق تحت غطاء إنساني.
القصة تحمل تشابهًا رمزيًا مع ما يعرف تاريخيًا بـ”ممر داود” في صحراء النقب، حيث استخدم هذا الممر في الماضي لتأمين خطوط إمداد استراتيجية ونقل أشخاص وموارد عبر مناطق حساسة جيوسياسيًا، بعيدًا عن الرقابة المباشرة للسلطات. الممر الإنساني المقترح في السويداء يحمل نفس الطابع: قناة عبور تبدو إنسانية على الورق، لكنها في العمق أداة لاستكشاف النفوذ والتأثير في المناطق الهشة، مع إمكانية تحويله لاحقًا إلى مسار نفوذ دائم إذا لم تضع الدولة حدودًا صارمة له.
الأبعاد السياسية والجيوسياسية
الممر الإنساني، محاط بتحديات سياسية وجيوسياسية معقدة. أي مشاركة خارجية، سواء كانت إسرائيلية أو من دول إقليمية، قد تتحول إلى أداة ضغط على النظام المحلي، وتعيد رسم نفوذ القوى في الجنوب السوري. لذلك، يجب أن يكون الممر تحت إشراف مباشر للسلطات المحلية والمنظمات الإنسانية المستقلة، مع منع أي استغلال سياسي أو عسكري.
السويداء اليوم تواجه مأساة إنسانية حقيقية نتيجة الهجمات المسلحة وفشل الدولة في توفير الأمن، مع تضييق الحكومة على المدنيين. الممر الإنساني يمثل فرصة لإنقاذ حياة السكان، لكنه يحتاج إلى إدارة محلية صارمة، بعيدًا عن أي مصالح خارجية قد تحرفه عن هدفه الأساسي. الضمان الأساسي للنجاح هو أن تكون الأولوية دائمًا للإنسان، لا للمصالح السياسية أو التوسعية لأي طرف كان.
اقرأ أيضاً:خبراء أمميون: أحداث السويداء تكشف عن انتهاكات جسيمة
اقرأ أيضاً:السويداء: حصيلة القتلى ترتفع إلى 1895 شخصا بينهم 670 أُعدموا ميدانيا