الجنوب السوري في حسابات «حلف مكة».. هل يتحول التوتر مع الأردن إلى ورقة ضغط على دمشق؟

تتداخل التوترات الأمنية والسياسية بين سوريا والأردن مع التحولات التي تشهدها المنطقة، في وقت تتحدث فيه تقارير عن محادثات لانضمام دمشق إلى «حلف مكة»، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان. ويضع هذا المسار مستقبل المؤسسة العسكرية السورية وعلاقاتها الدفاعية أمام حسابات إقليمية تتجاوز مسألة إعادة بناء الجيش، لتشمل طبيعة التوازنات الأمنية في الجنوب السوري وموقف إسرائيل منها.

وتسعى السلطات السورية الجديدة إلى إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، وتطوير قدراتها في مجالات التدريب والتسليح والاستخبارات والقيادة والسيطرة، بالتوازي مع توسيع علاقاتها مع أطراف إقليمية. وفي هذا السياق، يمكن أن توفر تركيا الخبرات التنظيمية والعسكرية والصناعات الدفاعية، فيما تمتلك باكستان إمكانات في التدريب والتصنيع العسكري، بينما تتيح السعودية موارد مالية وسياسية قد تسهم في دعم عملية إعادة البناء.

لكن هذه التحركات تتزامن مع تعقيدات في العلاقة بين دمشق وعمّان، على خلفية ملفات الحدود والتهريب والتنسيق الأمني، فضلاً عن الخلافات بشأن العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية. ويثير تزامن هذه الملفات مع الحديث عن شراكة دفاعية إقليمية تساؤلات حول تأثيرها في خيارات دمشق، ومدى ارتباط التوتر في الجنوب بمستقبل التحالفات العسكرية السورية.

إعادة بناء الجيش السوري وتبدل الحسابات الإسرائيلية

لا يقتصر الحديث عن انضمام سوريا إلى «حلف مكة» على توسيع دائرة علاقاتها الإقليمية، بل يتصل بمستقبل المؤسسة العسكرية ومصادر الدعم التي يمكن أن تعتمد عليها في مرحلة إعادة التأسيس.

وتتطلب عملية إعادة بناء الجيش السوري، وفق احتياجاتها العسكرية والمؤسسية، إعادة تنظيم القيادات، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة، وتحديث التدريب والعقيدة العسكرية، إلى جانب تأهيل القدرات الاستخبارية واللوجستية وبناء علاقات تسليحية طويلة الأمد.

وفي هذا الإطار، قد تتيح الشراكة مع تركيا وباكستان والسعودية تنوعاً في مصادر الخبرة والدعم، بما يتجاوز المساعدات العسكرية المباشرة إلى التعاون في مجالات التدريب والتطوير والتصنيع والدعم المالي.

وتتابع إسرائيل هذه التحولات في ظل سعيها إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب السوري منذ سقوط نظام الأسد، وتقييد انتشار القوات السورية وقدراتها العسكرية في المناطق القريبة من الجولان المحتل.

ومن شأن انخراط دمشق في منظومة دفاعية إقليمية أن يوسع خياراتها في إعادة بناء الجيش، ويمنحها مصادر دعم وخبرات إضافية. وهو ما يجعل طبيعة المؤسسة العسكرية السورية المقبلة، ومصادر تسليحها وتدريبها، ومستوى التعاون مع شركائها الإقليميين، من المسائل المؤثرة في الحسابات الإسرائيلية.

ويبرز في هذا السياق التنافس التركي الإسرائيلي على مستقبل سوريا، إذ تسعى أنقرة إلى توسيع حضورها العسكري والمؤسسي داخل الدولة الجديدة، بينما تنظر تل أبيب إلى هذا الحضور بوصفه عاملاً قد يغير موازين التأثير في المنطقة.

التوتر مع الأردن.. ملفات حدودية وخلافات أمنية

يمتلك الأردن أدوات جغرافية وأمنية وسياسية تمنحه تأثيراً مباشراً في التطورات المرتبطة بالجنوب السوري، وفي مقدمتها الحدود المشتركة ومعبر نصيب – جابر، إضافة إلى علاقاته الأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتعزز هذا الدور خلال سنوات الحرب السورية، حين أصبحت عمّان مركزاً للتنسيق السياسي والعسكري والاستخباري المتعلق بالجنوب، قبل أن تتغير طبيعة العلاقة مع دمشق عقب سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

ومع عودة مؤسسات الدولة السورية إلى العمل في مناطق واسعة، باتت دمشق تسعى إلى استعادة إدارة الملفات الأمنية والعسكرية من خلال مؤسساتها الرسمية، في حين يواصل الأردن التركيز على أمن الحدود ومكافحة تهريب المخدرات والسلاح، وهي ملفات تشكل أحد أبرز مصادر الخلاف بين البلدين.

وبرز التباين بصورة أوضح عقب هجوم كنيسة حمود في محافظة الكرك الأردنية، وما أعقبه من عملية «الردع الأردني – حمود» وغارات داخل الأراضي السورية، قُتل خلالها سبعة مدنيين سوريين، وفق الحصيلة الواردة في التقارير المتعلقة بالتصعيد.

وأعاد هذا التطور طرح مسألة التنسيق المسبق وحدود التدخل العسكري عبر الحدود؛ إذ تتمسك عمّان بحقها في التعامل مع التهديدات التي تعتبرها خطراً على أمنها، بينما تؤكد دمشق ضرورة احترام سيادتها، وحصر العمليات الأمنية والعسكرية داخل أراضيها بمؤسسات الدولة السورية.

ولا تقتصر الخلافات على العمليات العسكرية، بل تشمل ملف المخدرات وتطور وسائل التهريب، بما فيها استخدام البالونات الموجهة، إلى جانب القيود التي شهدتها حركة العبور عبر معبر نصيب – جابر. وترافقت هذه الملفات مع تصاعد الانتقادات والحملات الإعلامية المتبادلة، ما أضاف بعداً شعبياً إلى الخلافات الرسمية.

وتمنح هذه الملفات عمّان أوراقاً للتفاوض بشأن الترتيبات الأمنية على الحدود، لكنها لا تثبت، بحد ذاتها، وجود سياسة أردنية تستهدف منع انضمام سوريا إلى «حلف مكة». ويظل الربط بين الخلافات الحدودية ومسار التحالف بحاجة إلى مؤشرات سياسية أو مواقف رسمية أكثر وضوحاً.

إرث التنافس الأمني بين دمشق وعمّان

تعود حساسية العلاقات السورية الأردنية إلى عقود من التنافس السياسي والأمني والتدخلات المتبادلة، إذ شهدت خمسينيات وستينيات القرن الماضي توترات ارتبطت بالتحولات السياسية داخل البلدين، وبالاتهامات المتعلقة بدعم معارضين ومحاولات التأثير في استقرار الأنظمة.

ومن أبرز محطات تلك المرحلة أزمة عام 1957، حين اتسعت الاتصالات بين شخصيات سورية ومعارضين أردنيين، بالتزامن مع إقالة حكومة سليمان النابلسي واضطرابات ثكنات الزرقاء. كما شهدت السنوات اللاحقة اتهامات أردنية لضباط في الاستخبارات السورية بالارتباط بمخططات استهدفت مسؤولين في المملكة، من بينها اغتيال رئيس الوزراء هزاع المجالي عام 1960.

وفي عهد حافظ الأسد، اتخذ التنافس بين البلدين أبعاداً إقليمية أوسع، وتداخل مع الخلافات حول التحالفات العربية والعلاقة مع العراق والقضية الفلسطينية. وبلغ التوتر مستوى متقدماً عام 1980، عندما حشدت سوريا قوات على الحدود الأردنية، وسط تبادل الاتهامات بشأن التدخل في الشؤون الداخلية وإيواء المعارضين.

وقطعت الدولتان علاقاتهما الدبلوماسية عام 1981، قبل استعادتها عام 1986 بوساطة سعودية، لكن ذلك لم ينهِ بالكامل إرث الشكوك والتنافس الأمني بينهما.

ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تغير ميزان التأثير في الجنوب. فقد استضاف الأردن غرفة العمليات العسكرية المشتركة المعروفة باسم «موك»، التي تأسست أواخر عام 2013 بمشاركة الولايات المتحدة ودول عربية وغربية، وتولت تنسيق الدعم العسكري واللوجستي لفصائل المعارضة في الجنوب السوري ومتابعة نشاطها.

وتعزز الدور الأردني خلال ترتيبات خفض التصعيد عام 2017، التي شاركت فيها عمّان وواشنطن وموسكو، قبل أن تتوسع مسؤوليات الأردن في ملفات مراقبة الحدود ومكافحة التهريب ومتابعة الجماعات المسلحة.

أما بعد سقوط النظام السابق، فقد دخلت العلاقة مرحلة مختلفة، عنوانها إعادة بناء قنوات التنسيق الأمني والسياسي والاقتصادي، بالتوازي مع استمرار الخلافات بشأن إدارة الحدود والضربات العسكرية داخل الأراضي السورية.

ويعكس هذا التحول اختلافاً في أولويات الطرفين؛ فدمشق تسعى إلى استعادة مركزية القرار الأمني والعسكري، بينما يحرص الأردن على ضمان أمن حدوده والحفاظ على دور مؤثر في الترتيبات المتعلقة بالجنوب.

إسرائيل والجنوب السوري.. تقاطع المصالح الأمنية

تحتل إسرائيل موقعاً أساسياً في حسابات الترتيبات الأمنية جنوب سوريا، خصوصاً مع استمرار تدخلاتها العسكرية وسعيها إلى فرض قيود على انتشار القوات السورية قرب الجولان المحتل.

وتنظر تل أبيب إلى طبيعة القوات التي ستنتشر في الجنوب، ومستوى تسليحها، وعلاقاتها العسكرية الخارجية، بوصفها عناصر مؤثرة في تحديد البيئة الأمنية على حدودها. وفي المقابل، يمتلك الأردن قنوات اتصال مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب مصالح أمنية واقتصادية مرتبطة باستقرار الحدود السورية.

وتتيح هذه العوامل لعمّان المشاركة في النقاشات المتعلقة بمستقبل الجنوب، لكنها لا تعني بالضرورة تطابق المواقف الأردنية والإسرائيلية في جميع الملفات؛ فالأردن يركز بصورة أساسية على أمن حدوده ومكافحة التهريب، بينما ترتبط المطالب الإسرائيلية أيضاً بمنع تشكل قدرات عسكرية سورية ترى تل أبيب أنها قد تهدد أمنها.

وفي ظل هذه المعطيات، قد تتقاطع المصالح الأردنية والإسرائيلية بشأن بعض الترتيبات الأمنية، ولا سيما ما يتعلق بانتشار القوات السورية وطبيعة قدراتها العسكرية. كما يمكن أن تؤثر العلاقات الأردنية مع واشنطن وتل أبيب في طبيعة النقاشات الإقليمية بشأن مستقبل الجنوب.

ويضيف التنافس التركي الإسرائيلي على النفوذ داخل سوريا عاملاً آخر إلى هذه المعادلة. فبينما تعمل أنقرة على توسيع تعاونها العسكري مع دمشق، تراقب إسرائيل انعكاسات هذا الحضور على موازين القوة، خصوصاً إذا تزامن مع دعم سعودي وباكستاني لعملية إعادة بناء الجيش السوري.

هل يمتلك الأردن أوراقاً للتأثير في انضمام دمشق إلى الحلف؟

يستطيع الأردن التأثير في البيئة الأمنية والاقتصادية المحيطة بسوريا من خلال إدارة الحدود ومعبر نصيب – جابر، والتنسيق مع الولايات المتحدة، وطرح ملف التهريب والمخاطر الأمنية في المحافل الإقليمية والدولية.

وتشكل هذه الأدوات عوامل ضغط محتملة على دمشق، خصوصاً إذا ترافقت مع خلافات بشأن التنسيق العسكري والعمليات عبر الحدود. وقد تؤثر في المناخ السياسي المحيط بمساعي سوريا لتوسيع شراكاتها الدفاعية، لكنها لا تمنح عمّان، وفق المعطيات المتاحة، حقاً مباشراً في تقرير عضوية دمشق في الحلف أو تعطيلها.

في المقابل، قد يتحول الجنوب السوري إلى أحد الملفات الرئيسية في أي تفاهمات إقليمية تتعلق بمستقبل سوريا، مع تداخل مطالب الأردن بشأن ضبط الحدود ومكافحة التهريب، والمطالب الإسرائيلية المتعلقة بانتشار القوات السورية وقدراتها العسكرية، والمواقف الأميركية من ترتيبات الأمن الإقليمي.

ومن شأن هذه التداخلات أن تجعل إعادة بناء الجيش السوري مرتبطة، جزئياً، بتفاهمات تتجاوز الشراكات الدفاعية التي تسعى دمشق إلى تطويرها مع تركيا والسعودية وباكستان.

استقلال القرار السوري أمام اختبار التوازنات الإقليمية

تواجه دمشق معادلة معقدة بين حاجتها إلى إعادة بناء مؤسستها العسكرية وتوسيع علاقاتها الدفاعية، وبين الضغوط المرتبطة بالترتيبات الأمنية في الجنوب. ففي حين تسعى الحكومة السورية إلى استعادة سيادتها على أراضيها وتطوير قدراتها، تتمسك إسرائيل بمطالب تتعلق بتقييد الانتشار العسكري السوري، ويحرص الأردن على ضمان أمن حدوده والحفاظ على دوره في إدارة الملفات الأمنية المشتركة.

وفي هذا السياق، يمكن أن تؤدي السعودية وتركيا دوراً في احتواء التوتر بين دمشق وعمّان، بالنظر إلى علاقاتهما بالطرفين ومصلحتهما في استقرار المنطقة وإنجاح أي تعاون دفاعي جديد.

وقد يتطلب ذلك التوصل إلى تفاهمات تضمن للأردن معالجة المخاوف المتعلقة بالتهريب وأمن الحدود، مقابل احترام سيادة سوريا وحقها في إدارة شؤونها الأمنية والعسكرية وتطوير قدراتها الدفاعية.

لكن نجاح مثل هذه التفاهمات يتوقف على إمكانية الفصل بين المطالب الأمنية الأردنية والقيود التي تسعى إسرائيل إلى فرضها على القدرات العسكرية السورية، وعلى استعداد الأطراف الإقليمية للتعامل مع دمشق بوصفها طرفاً مشاركاً في صياغة الترتيبات الأمنية، لا مجرد ساحة لتقاطع المصالح الخارجية.

وبذلك، لا يرتبط مستقبل انضمام سوريا إلى «حلف مكة» بالعلاقات الدفاعية مع السعودية وتركيا وباكستان وحدها، بل أيضاً بقدرة دمشق على إدارة خلافاتها مع دول الجوار، واستعادة دور مؤسساتها في الجنوب، وتوسيع هامش استقلال قرارها العسكري وسط التنافس الإقليمي والدولي.

اقرأ أيضاً:تحرك تشريعي جديد في الكونغرس الأميركي: “آلية العودة التلقائية للعقوبات” تعقّد مسار تخفيف الضغط عن سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.