تجريف الأراضي في القنيطرة يحرم مزارعين من مصادر رزقهم
تتواصل تداعيات العمليات العسكرية للاحتلال الاسرائيلي في ريف القنيطرة جنوبي غربي سورية على حياة السكان، مع فقدان مزارعين أراضيهم الزراعية ومصادر دخلهم، نتيجة تجريف البساتين وإقامة سواتر ترابية وخنادق تحدّ من وصولهم إلى ممتلكاتهم. ويربط أهالٍ هذه الإجراءات بمشروع «سوفا 53»، الذي بدأ تنفيذه عام 2022، بحسب شهادات نقلتها صحيفة «العربي الجديد».
بالنسبة إلى حسن أحمد، من قرية جباتا الخشب شمالي القنيطرة، لم تعد أرضه التي أمضى سنوات في زراعتها متاحة له، بعدما جرفتها آليات الاحتلال الإسرائيلي في 27 أيار/مايو 2024. وخسر الرجل، وفق روايته، بستاناً كان يشكّل مصدراً أساسياً لإعالة أسرته، إلى جانب المساحة التي اعتاد العمل فيها مع ابنه صدام ورعاية المواشي.
كانت أرض أحمد، البالغة مساحتها 11 دونماً، تضم نحو 500 شجرة مثمرة من الزيتون والجوز والتين والخوخ، فضلاً عن بئر مياه وإسطبل بمساحة 300 متر مربع. ويقول إن أصغر الأشجار كانت تبلغ 27 عاماً، في إشارة إلى حجم الخسارة التي تكبّدها بعد سنوات من العناية بالأرض وانتظار مواسم الإنتاج.
ويستعيد أحمد تفاصيل حياته السابقة في البستان، حيث كان يبدأ العمل فجراً برفقة ابنه وينهيه عند غروب الشمس. لكن خسارة الأرض دفعته إلى العمل في أراضٍ يملكها آخرون، بالتزامن مع تراجع موارده المالية وتراكم الديون. ويقول لـ«العربي الجديد»: «كل شجرة لها قصة»، في وصف لعلاقته بالبستان الذي لم يكن بالنسبة إليه مجرد مساحة زراعية.
خسائر تتجاوز قيمة المحاصيل
لا تقتصر تداعيات تجريف الأراضي في ريف القنيطرة على تدمير الأشجار والمحاصيل، بل تمتد إلى فقدان مصادر الدخل وتغيّر ظروف معيشة العائلات التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي. ومع إقامة السواتر والخنادق وتقييد الوصول إلى الأراضي والمراعي، اضطر بعض المزارعين إلى البحث عن أعمال بديلة، فيما يواجه آخرون صعوبة في تعويض خسائرهم.
وتشير شهادات السكان إلى ارتباط هذه الإجراءات بمشروع «سوفا 53»، وهو اسم متداول لمشروع عسكري وهندسي إسرائيلي يمتد بمحاذاة هضبة الجولان المحتلة، من شمال القنيطرة إلى جنوبها. ويقول مزارعون إن السواتر المرتبطة بالمشروع باتت تفصلهم عن أراضٍ اعتادوا الوصول إليها والعمل فيها بصورة يومية.
وقبل نحو شهر من تجريف بستان أحمد، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي ابنه صدام، الذي كان يبلغ 16 عاماً آنذاك، من داخل إسطبل المزرعة، بحسب رواية والده. وفي 27 أيار/مايو 2024، وصلت الجرافات عند السادسة والنصف صباحاً وبدأت بتجريف الأرض، واستمرت العملية حتى الثانية بعد الظهر، وفق الشهادة نفسها.
وكان أحمد يستعد حينها لقطاف موسم الكرز، قبل أن يشاهد اقتلاع الأشجار وتسوية الأرض. وبعد يومين، زارها للمرة الأخيرة، إذ حال الساتر الترابي لاحقاً دون وصوله إليها أو حتى رؤيتها بوضوح.
ويقول أحمد، وهو أب لستة أبناء، إنه تقدّم بشكوى إلى مكتب الأمم المتحدة في دمشق عقب التجريف، مضيفاً أن عناصر من أجهزة مخابرات النظام السوري السابق طردوه من أمام المبنى وهدّدوه بسبب حديثه إلى وسائل الإعلام، وفق روايته. ويرى أن أي تعويض محتمل لن يعيد الأشجار التي أمضى سنوات في رعايتها، ولا نمط الحياة الذي اعتادت أسرته عليه.
أراضٍ خارج متناول أصحابها
في قرية الرفيد، يعاني محمد هجرس الفهد من فقدان القدرة على الوصول إلى أرضه في قرية البطمية، التي هُجّر منها. وتبلغ مساحة الأرض 20 دونماً، وكانت تضم بئراً ارتوازية، ويزرع فيها الحبوب خلال الشتاء والخضراوات في الصيف بمشاركة أفراد عائلته.
ويقول الفهد لـ«العربي الجديد» إن الأرض أصبحت ضمن منطقة حُذّر الأهالي من الاقتراب منها، بعد وضع علامات صفراء، قبل أن تُجرف بالآليات الثقيلة قبل نحو عامين، وفق شهادته.
ويضيف أنه كان يجني محصوله الأخير عندما أبلغته قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف» بضرورة جمع ما يستطيع من المحصول ومغادرة المنطقة خلال ساعات. ويقدّر أن الدونم الواحد كان يدرّ عليه نحو 400 دولار، وهو دخل كان يساعده على إعالة أسرته والحفاظ على استقلاله المادي.
ولم تقتصر الخسائر على أرضه، إذ جُرفت أيضاً أرضا شقيقيه المجاورتان، وتبلغ مساحة كل منهما 20 دونماً، بحسب روايته. ومع تقدّمه في السن، يقول الفهد إنه لم يعد قادراً على البحث عن عمل بديل يعوّضه عن خسارة مصدر رزقه، معرباً عن أمله في العودة إلى أرضه.
أما محمد كيوان، من جباتا الخشب، فيقول إن تجريف بستانه أنهى جانباً من الحياة العائلية التي كانت تدور حول الأرض. وكان كيوان يعمل مع أبنائه الخمسة وأشقائه في مساحة تبلغ 25 دونماً، تضم أشجار زيتون ومحاصيل موسمية، وتشكّل مكاناً لاجتماع أفراد العائلة إلى جانب كونها مصدراً للدخل.
وجرفت قوات الاحتلال الإسرائيلي أرض كيوان فجر الأول من آب/أغسطس 2023، ولم يتمكن من زيارتها منذ ذلك الحين، وفق ما يرويه. ويشير إلى أن ساتر «سوفا 53»، الذي يقدّر ارتفاعه بنحو ستة أمتار، يحجب عنه رؤية البستان، ما يدفعه أحياناً إلى الصعود إلى مكان مرتفع لمحاولة تحديد موقعه والنظر باتجاهه.
ويصف كيوان بستانه بأنه «جنة الله على الأرض»، مستعيداً أيام العمل واللقاءات العائلية التي كانت تجمع أفراد أسرته وأشقائه في المكان. ويعكس تأثره خلال الحديث عن الأرض حجم الارتباط الذي يتجاوز قيمتها الاقتصادية إلى دورها في الحياة الاجتماعية للعائلة.
قيود على الزراعة والرعي
وتتجاوز آثار هذه الإجراءات أصحاب الأراضي التي جرى تجريفها، لتشمل النشاط الزراعي وحركة السكان في مناطق أخرى من ريف القنيطرة، وفق الناشط المهتم بحقوق الإنسان حسن حمد، المقيم في منطقة الحانوت جنوبي المحافظة.
ويقول حمد لـ«العربي الجديد» إن التوغلات والاعتقالات تترافق، بحسب ما رصده، مع تخريب محركات المياه والصهاريج المستخدمة في سقاية المواشي، إلى جانب تجريف الأراضي ومنع أصحابها من الوصول إلى المراعي. ويضيف أن الخوف من الدوريات والاعتقال أثّر في الحركة التجارية والزراعية، وأدى إلى تراجع قدرة السكان على ممارسة أعمالهم المعتادة.
ولم يرصد حمد حالات نزوح حتى وقت إجراء المقابلة، لكنه أشار إلى حالة من الغضب بين الأهالي، يقابلها حذر من خطوات قد تقود إلى مواجهة غير متكافئة.
وتسلّط هذه الشهادات الضوء على التداعيات المعيشية والاجتماعية لتجريف الأراضي وتقييد الوصول إليها في ريف القنيطرة، حيث لا تقتصر الخسائر على المحاصيل والأشجار، بل تشمل أيضاً مصادر الدخل واستقرار الأسر والعلاقات المرتبطة بالعمل الزراعي.
وبينما ينتظر بعض أصحاب الأراضي فرصة العودة إليها، يواجه آخرون أعباء مالية متزايدة بعد فقدان مواردهم، في ظل استمرار القيود التي تحول دون وصولهم إلى ممتلكاتهم. وبالنسبة إلى أحمد والفهد وكيوان، تبقى استعادة القدرة على الوصول إلى الأرض مطلباً يرتبط باستعادة مصدر الرزق وجزء من حياتهم السابقة.