أزمة المازوت في سوريا تكشف خلل التخطيط الحكومي وتهدد الإنتاج والتدفئة

لا تقف أزمة المازوت في سوريا عند طوابير الانتظار أمام محطات الوقود، بل تمتد آثارها إلى دورة الاقتصاد بأكملها، من ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل إلى تأخر وصول السلع واتساع الضغوط المعيشية على الأسر. ومع اقتراب الشتاء، يعود نقص مادة أساسية للتدفئة وتشغيل قطاعات حيوية ليطرح سؤالاً يتجاوز حجم الإمدادات المتاحة: لماذا تبقى إدارة الاحتياجات الموسمية رهينة الاستجابة المتأخرة بدلاً من التخطيط المسبق؟

نقص المازوت يرفع كلفة المعيشة

حذّر الباحث الاقتصادي الدكتور مصعب شبيب من أن تداعيات الأزمة تطول قطاعات النقل والشحن والأفران والزراعة ومعاصر الزيتون، فضلاً عن تأمين مياه الشرب والتدفئة المنزلية. وأوضح أن نقص المادة يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، ويؤخر وصول السلع إلى الأسواق، ما ينعكس ضغطاً إضافياً على الأسعار ودخل الأسر، ولا سيما مع دخول فصل الشتاء.

وتكشف هذه التداعيات هشاشة منظومة تأمين المشتقات النفطية، إذ لا يحتاج تعطل الإمدادات إلى وقت طويل حتى يتحول إلى عبء اقتصادي واسع. وفي ظل غياب مؤشرات واضحة على استعداد كافٍ لمواجهة الانقطاعات، يدفع المواطن كلفة الاختلالات مرتين: مرة عند صعوبة الحصول على المازوت، ومرة أخرى عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات المرتبطة به.

خط بانياس–حمص يعيد طرح سؤال البدائل

يرى شبيب أن تجاوز الأزمة يتطلب الانتقال من المعالجة الطارئة إلى التخطيط الاستراتيجي، عبر تقدير الاحتياجات الفعلية لكل محافظة وقطاع، وبناء توقعات دقيقة للطلب وسلاسل التوريد، مع تجهيز مسارات بديلة تضمن استمرار الإمدادات عند تعطل أحد خطوط النقل.

وتشمل المقترحات تأمين نقل المشتقات النفطية بالصهاريج، وتفعيل مستودعات بديلة، وتوسيع المخزون الاستراتيجي تحسباً لتوقف خط النقل بين بانياس وحمص. كما دعا إلى إبرام عقود توريد مستقبلية مع شركات موثوقة، وتنويع مصادر الاستيراد، واستكمال تشغيل المصافي لتلبية احتياجات التدفئة والزراعة.

وعود الإمداد لا تعني استقرار السوق

وشدد شبيب على أهمية إنشاء منصة رقمية شفافة تعرض الكميات الموردة والموزعة ومواعيد وصولها إلى المحطات، وتوضح آليات حصول المواطنين على مخصصات التدفئة.

ورغم أن عودة الضخ عبر الخط المتضرر واستمرار وصول الناقلات قد يخففان الاختناقات تدريجياً، فإن تحسن الإمدادات لا يضمن وحده استقرار السوق. فالمشكلة لا تُقاس بما يصل إلى المستودعات فقط، بل بقدرة الجهات المعنية على توزيعه بانتظام ومراقبة التنفيذ.

وتبقى الأزمة اختباراً لقدرة الحكومة على إدارة ملف الطاقة بمنطق الوقاية لا إطفاء الحرائق بعد وقوعها. أما استمرار الاعتماد على الحلول المؤقتة، من دون بيانات معلنة وخطط بديلة قابلة للتنفيذ، فيعني أن نقص المازوت قد يتحول مع كل انقطاع جديد إلى أزمة معيشية متجددة، يتحمل المواطن تبعاتها فيما تظل أسئلة التخطيط والمساءلة بلا إجابات واضحة.

 

اقرأ أيضاً:

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.