مقامات الساحل السوري بين الاعتبارات الأمنية وقلق الأهالي من إغلاقها
أعادت التحركات العسكرية في مرتفعات الساحل السوري، ولا سيما في محيط مقامات بني هاشم بريف القرداحة، تسليط الضوء على العلاقة بين الإجراءات الأمنية والمواقع ذات الرمزية الدينية والاجتماعية لدى السكان المحليين. وبينما تكتسب بعض القمم أهمية جغرافية وعسكرية، يعبّر أهالٍ عن قلقهم من إغلاق الطرق المؤدية إلى مقامات اعتادوا زيارتها لأغراض دينية واجتماعية.
وتأتي هذه التطورات في منطقة لا تزال تعيش تداعيات أحداث العنف التي شهدها الساحل السوري في آذار/مارس 2025، وسط مخاوف لدى بعض السكان من أن يؤدي غياب التوضيحات الرسمية إلى زيادة القلق وتوسيع نطاق الشائعات.
إغلاق المقامات يثير تساؤلات محلية
بحسب شهادات حصل عليها موقع «المدن»، أثار انتشار وحدات من الجيش السوري في المرتفعات المحيطة بالقرداحة، وإغلاق الطرق المؤدية إلى بعض المواقع، ولا سيما مقامات بني هاشم، استياءً وقلقاً لدى سكان من القرى المجاورة.
ويقول الأهالي إن هذه المقامات تشكل جزءاً من حياتهم الدينية والاجتماعية، إذ يقصدونها للصلاة وتقديم النذور وإحياء مناسبات متوارثة محلياً. ويرون أن منع الوصول إليها لا يقتصر أثره على تقييد الزيارات، بل يمتد إلى أنشطة اعتاد بعض السكان ممارستها حول تلك المواقع.
ويشير أحد أبناء المنطقة، الذي عرّفت عنه «المدن» بالأحرف الأولى «م. ك»، إلى أن الاستياء يرتبط بالشعور بأن أماكن ذات مكانة روحية باتت خارج متناول سكانها. ويضيف أن بعض الأهالي يعتمدون على أعمال محدودة مرتبطة بخدمة الزوار والعناية بالمقامات، ما يجعل إغلاقها مؤثراً في مصادر دخلهم أيضاً.
وتزامنت هذه الشهادات مع تقارير عن تحركات عسكرية في مواقع أخرى من ريف اللاذقية، بينها محيط جبل الأربعين، إضافة إلى مناطق في ريف مصياف. لكن المعلومات المتاحة في الشهادات الواردة لا توضح بصورة مستقلة نطاق هذه التحركات أو طبيعة الإجراءات المتخذة في كل موقع.
وتحظى المقامات بأهمية خاصة لدى قطاعات من المجتمع العلوي، ليس بوصفها أماكن للعبادة فحسب، وإنما باعتبارها فضاءات ترتبط بعادات محلية وطقوس اجتماعية تناقلتها الأجيال.
الموقع الجغرافي والاعتبارات الأمنية
تقع مقامات بني هاشم في مرتفعات شمال شرقي القرداحة، ضمن منطقة جبلية تطل على عدد من القرى والوديان وسهل الغاب. وتمنح طبيعة التضاريس المرتفعة في المنطقة إمكانات واسعة للمراقبة والإشراف على الطرق والممرات التي تربط الساحل السوري بالمناطق الداخلية.
وتجعل هذه الخصائص بعض المرتفعات ذات أهمية محتملة في الحسابات العسكرية والأمنية، إلا أن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لتحديد أسباب الانتشار الحالي أو الأهداف التي تسعى الجهات العسكرية إلى تحقيقها من خلاله.
وفي ظل غياب معلومات رسمية تفصيلية عن طبيعة الإجراءات ومدتها، تتداول أوساط محلية تفسيرات متعددة للتحركات، من بينها احتمال ارتباطها بمخاوف من نشاط مجموعات موالية للنظام السابق، أو بمحاولات لمنع استخدام المناطق الجبلية في تخزين الأسلحة أو تنظيم تحركات مسلحة.
كما تُطرح تكهنات بشأن احتمال سعي شبكات مرتبطة بضباط سابقين إلى إعادة تنظيم نشاطها في مناطق يصعب الوصول إلى بعضها أو مراقبتها. غير أن هذه التفسيرات تبقى، في حدود المعلومات المتاحة، فرضيات غير مؤكدة، ولا يمكن التعامل معها بوصفها أسباباً مثبتة للانتشار العسكري.
وتبرز، في هذا السياق، تساؤلات بشأن كيفية الموازنة بين المتطلبات الأمنية المحتملة وحقوق السكان في الوصول إلى المواقع الدينية والاجتماعية، خصوصاً عندما لا تكون هناك معلومات واضحة عن أسباب الإغلاق أو المدة المتوقعة لاستمراره.
تداعيات أحداث آذار تعمّق القلق
تأتي التحركات الحالية في ظل استمرار تأثير أحداث العنف التي شهدها الساحل السوري في آذار/مارس 2025، والتي أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وأثارت مخاوف واسعة لدى السكان.
ويقول «ع. ز»، أحد سكان المنطقة، لـ«المدن»، إن الأحداث السابقة تركت أثراً نفسياً عميقاً لدى الأهالي، وإن أي انتشار عسكري غير مألوف قد يثير القلق، حتى في غياب مواجهات مباشرة.
بدوره، يشير «ك. ب»، وهو من سكان إحدى القرى المجاورة، إلى انتشار حالة من الترقب والارتياب، في ظل محدودية المعلومات المتوفرة عن التحركات في المرتفعات وأسبابها.
وفي المقابل، يلفت السكان الذين تحدثوا إلى «المدن» إلى أنهم لم يسجلوا، حتى وقت الإدلاء بشهاداتهم، تجاوزات مباشرة بحق المدنيين مرتبطة بالانتشار العسكري، موضحين أن الإجراء الأبرز الذي لاحظوه تمثل في إغلاق الطرق ومنع الوصول إلى المقامات.
ويتيح هذا التمييز بين المخاوف التي يعبّر عنها الأهالي والوقائع التي يقولون إنهم شاهدوها قراءة أكثر دقة للوضع، في منطقة يمكن أن يؤدي فيها نقص المعلومات إلى انتشار روايات غير مؤكدة وتفاقم القلق.
مطالب بالتوضيح وضمان الوصول
لا تقتصر مطالب السكان على إعادة فتح الطرق المؤدية إلى المقامات، بل تشمل أيضاً توضيح أسباب الإجراءات الأمنية، والجهات التي تقف وراءها، والمدة المتوقعة لاستمرارها.
ويرى الأهالي أن التواصل المباشر مع المجتمعات المحلية من شأنه الحد من الشائعات وتخفيف حالة الترقب، ولا سيما عندما تطال الإجراءات أماكن مرتبطة بممارسات دينية وعادات اجتماعية راسخة.
وفي ظل عدم توافر تفاصيل رسمية كافية بشأن التحركات، يبقى تقييم أهدافها ومدى ضرورتها أمراً غير محسوم. لكن استمرار إغلاق المقامات يضع السكان أمام إشكالية تتجاوز الجانب الأمني، وتتصل بإمكانية الحفاظ على صلتهم بمواقع تشكل جزءاً من ذاكرتهم الجماعية وحياتهم اليومية.
وبين الاعتبارات الأمنية المحتملة ومكانة هذه المواقع لدى الأهالي، تبرز الحاجة إلى توضيحات رسمية تحدد طبيعة الإجراءات ونطاقها ومدتها، بما يتيح للسكان فهم ما يجري، ويحد من اتساع الفجوة بين القرارات الأمنية والمجتمعات المحلية.
اقرأ أيضاً الجنايات العسكرية في حلب تصدر أحكاماً بالإعدام والسجن في قضايا أحداث الساحل