مزارعو الرقة يقبضون ثمن القمح بالليرة ويسددون ديونهم بالدولار.. خسائر تتسع مع تراجع العملة
لم تنتهِ أعباء موسم القمح في ريف الرقة بتسلّم المزارعين مستحقاتهم، بل بدأت مرحلة جديدة من الخسارة مع ارتفاع سعر الدولار. فالمبالغ التي قبضوها بالليرة السورية باتت أقل قدرة على تغطية ديون تراكمت خلال الموسم، بينما تُسعّر الأسمدة والأدوية وأجور الآليات والنقل بالعملة الأمريكية. وفي ظل غياب آلية تحمي القيمة الفعلية لمستحقاتهم من تقلبات الصرف، يجد مزارعو الرقة أنفسهم أمام معادلة غير متكافئة: يبيعون محصولهم بالليرة، ثم يشترون مستلزمات الموسم التالي ويسددون التزاماتهم بالدولار.
يقول علي الحمد، وهو مزارع من ريف الرقة الشرقي، إنه قبض قيمة محصوله قبل أيام، لكنه يؤجل سداد ديونه على أمل تراجع سعر الدولار. ويوضح أن سعر الصرف ارتفع، بحسب متابعته، من نحو 130 إلى 138 ليرة سورية للدولار، ما زاد كلفة تسوية التزاماته وأربك حساباته بعد انتهاء الموسم.
مستحقات تتآكل قبل سداد الديون
لا تقتصر المشكلة على ارتفاع سعر الصرف، بل تتصل بالفجوة بين العملة التي يتقاضى بها المزارع ثمن محصوله والعملة التي يحتاج إليها لتغطية نفقاته. ويقول الحمد إن ديونه تشمل الأسمدة والأدوية الزراعية وأجور العمال والنقل، وإن تسديدها يتطلب شراء الدولار من السوق، بما يحمّله فروقات لم تكن محسوبة عند تسليم القمح.
ويؤكد المزارع أحمد الفياض أن المزارعين اعترضوا منذ البداية على تحديد سعر شراء القمح بالليرة، محذرين من أن أي ارتفاع لاحق للدولار سيقلص القيمة الفعلية لمستحقاتهم. ويقول إن هذه المخاوف ظهرت مع بدء صرف الفواتير، إذ اضطر إلى تحويل قيمة مستحقاته إلى الدولار لتسديد ديونه.
واشترى الفياض الدولار من سوق الصرافين في شارع المنصور بسعر 138 ليرة، مشيراً إلى أن فارق سعر الصرف يلاحق المزارعين حتى في تحضيرات الموسم المقبل، إذ يطلب أصحاب الجرارات أجور الحراثة بالدولار، كما تُسعّر مستلزمات زراعية عديدة بالعملة نفسها.
سياسة التسعير تنقل المخاطر إلى الفلاح
يرى خريج كلية الاقتصاد في جامعة الفرات محمد العيسى أن ارتفاع الدولار ينعكس مباشرة على الزراعة في الرقة، حيث يعتمد أكثر من 75% من السكان، وفق تقديره، على هذا القطاع مصدراً رئيسياً للدخل. ويشير إلى ارتباط تكاليف الإنتاج بالمدخلات المستوردة، من الأسمدة والمبيدات إلى قطع غيار الآليات والمحروقات.
وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب طول الدورة الزراعية؛ فالمزارع يشتري مستلزماته في بداية الموسم، ثم يبيع محصوله بعد أشهر في ظل تغيرات قد ترفع التكاليف وتقلص العائد الفعلي. ووفق العيسى، ارتفع الدولار من نحو 108 إلى 110 ليرات في نهاية 2025 إلى قرابة 138 ليرة، بينما لم يحصل بعض المزارعين على مستحقاتهم في الوقت المناسب.
وينتقد العيسى آلية التسعير الحكومية، معتبراً أنها لا تواكب أعباء الإنتاج، وقد تدفع المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة مع تآكل رأس المال اللازم للموسم التالي.
موسم جديد بتمويل أضعف
تتجاوز تداعيات الأزمة حسابات المزارع الفردية؛ فتراجع السيولة يحد من قدرته على شراء المدخلات وتمويل الزراعة، فيما يؤدي ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى زيادة الضغط على أسعار الغذاء. كما أن تأخر دفع المستحقات، الذي تعزوه الحكومة إلى نقص السيولة وصعوبات شحن العملة الجديدة، يضيف عبئاً آخر إلى تقلبات الصرف.
وبين مستحقات تتراجع قيمتها وديون لا تنتظر استقرار السوق، يدخل مزارعو الرقة موسماً جديداً بقدرة مالية أضعف. وما لم تُعالج الفجوة بين سعر شراء المحصول وكلفة إنتاجه، وتُضمن سرعة دفع المستحقات وآلية أكثر استقراراً للتسعير، ستظل مخاطر الموسم الزراعي تنتقل إلى الفلاح، فيما تبقى كلفة الاختلال الاقتصادي حاضرة في قرارات الزراعة المقبلة.
اقرأ أيضاً: تأخر مستحقات القمح يضغط على مزارعي الجزيرة ويهدد بتراجع المساحات المزروعة