صيد الفرات في دير الزور يتراجع.. الكهرباء والديناميت يستنزفان الأسماك ورزق الصيادين
لم يعد نهر الفرات في دير الزور مورداً سهلاً للصيادين الذين يعتمدون عليه لكسب معيشتهم، بعدما تراجعت حصيلة الصيد التقليدي في بعض المناطق إلى أقل من كيلوغرام يومياً، وفق شهادات صيادين، في مقابل استمرار استخدام الكهرباء والديناميت في اصطياد الأسماك. وبينما تتحدث الجهات الرسمية عن مؤشرات تحسن في المخزون بعد ارتفاع منسوب المياه وتشديد الرقابة، تكشف استمرار المصادرات والشكاوى عن فجوة بين ما يفترض أن تحققه إجراءات الحماية وما يجري فعلياً على ضفاف النهر.
كيلوغرام بدل عشرة
يقول الصياد علي الفرج إن الصيد تراجع بصورة واضحة مقارنة بالسنوات السابقة، مشيراً إلى أن استخدام الديناميت يستهدف مناطق تجمع الأسماك، ولا سيما المواقع الصخرية والعميقة، فيما يؤدي الصعق الكهربائي إلى قتل الأسماك بمختلف أحجامها وإتلاف البيوض واليرقات خلال مواسم التكاثر.
ويشير الفرج إلى أن الصيد بالديناميت لا يعني بالضرورة الحصول على كامل الأسماك التي يستهدفها، إذ تتفتت نسبة منها أو تنجرف مع المياه، بينما تتعرض الأسماك الصغيرة والبيوض للتدمير من دون أن تدخل أصلاً في حصيلة الصيد.
ويصف عبد الحميد العيسى، وهو صياد من ريف دير الزور الغربي، الصعق الكهربائي بأنه “قتل جماعي” للكائنات الموجودة تحت الماء، مشيراً إلى تراجع أنواع مثل الكارب والجرّي والرومي. ويقول إن الصياد الذي كان يحصل في السابق على نحو 10 كيلوغرامات يومياً، لم يعد يحصل أحياناً على كيلوغرام واحد.
ولا ينعكس ذلك على الصيادين التقليديين وحدهم، بل يهدد مورداً غذائياً محلياً يعتمد عليه سكان مناطق واسعة من المحافظة.
تحسن في المخزون.. لكن من دون أرقام
في المقابل، يقول فرع الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية في دير الزور إن المخزون السمكي أظهر مؤشرات تحسن خلال العام الحالي، مدفوعاً بارتفاع منسوب المياه وتحسن الظروف البيئية وتشديد الرقابة على الصيد الجائر.
ويشير مدير الفرع نافع كمال الصيادي إلى زيادة ملحوظة في كثافة الأسماك الصغيرة “الزريعة” بعد الفيضان، مع تحسن أعداد بعض الأنواع الاقتصادية، معتبراً ذلك مؤشراً على إمكانية تحسن المخزون في الموسم المقبل.
لكن هذا التقييم يواجه مشكلة أساسية تتمثل في غياب إحصاءات دقيقة لحجم الثروة السمكية في الفرات ضمن دير الزور. وبذلك تبقى الصورة الفعلية للمخزون معتمدة على المراقبة الميدانية ومؤشرات الصيد، لا على قاعدة بيانات تسمح بقياس حجم التراجع أو التعافي بصورة دقيقة.
وتحذر الهيئة من أن الصيد بالكهرباء والديناميت والشباك المخالفة يضرب دورة التكاثر، ويقتل البيوض واليرقات والأسماك الصغيرة، وقد يترك فجوة عمرية في المخزون تحتاج إلى سنوات حتى تتعافى.
رقابة واسعة.. ونهر أكبر من الإمكانات
تفرض الجهات المختصة منعاً موسمياً للصيد بين 15 آذار و31 أيار لحماية الأسماك خلال فترة التكاثر، وتنفذ دوريات نهرية وبرية وحملات ضبط ومصادرة.
وخلال الفترة الأخيرة، صادرت الجهات الرقابية عشرات القوارب والمولدات والأدوات المستخدمة في الصيد المخالف. كما أسفرت إحدى الجولات في منطقتي أبو حمام والقورية عن ضبط أربع سفن وأربعة مولدات كهربائية إلى جانب معدات أخرى.
لكن اتساع مجرى الفرات ومحدودية الإمكانات اللوجستية يجعلان تغطية جميع مناطق الصيد مهمة صعبة، ما يترك مساحات يمكن أن تستمر فيها المخالفات بعيداً عن الرقابة المباشرة.
ويقول عضو المكتب التنفيذي لشؤون الزراعة والثروة الحيوانية في دير الزور ياسر عبوش إن شكاوى الصيادين والأهالي دفعت إلى تشديد الإجراءات، مؤكداً أن العقوبات تشمل الغرامات ومصادرة القوارب والأدوات وإحالة المخالفين إلى القضاء.
غير أن ضبط المخالفة بعد وقوعها لا يعالج وحده استنزاف مورد طبيعي يعتمد عليه آلاف السكان بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
حماية المورد تبدأ بحماية الصياد
تكشف أزمة الصيد في الفرات عن مشكلة أوسع في إدارة الموارد المحلية: إجراءات منع ومصادرات متكررة، لكن إمكانات محدودة وبيانات ناقصة ومورد طبيعي شديد الحساسية أمام الصيد الجائر وتذبذب المياه.
ويحتاج الحفاظ على الثروة السمكية إلى رقابة مستمرة تتجاوز الحملات الموسمية، وإلى بيانات دقيقة عن المخزون ومناطق التكاثر، وتنظيم واضح لتراخيص الصيد وأدواته، إلى جانب إيجاد بدائل اقتصادية للصيادين خلال فترات المنع.
فالصياد الذي يخسر مصدر رزقه بسبب استنزاف النهر لا يستطيع انتظار تعافي المخزون لسنوات، كما أن حماية الأسماك من دون حماية العاملين في القطاع تترك المشكلة قائمة من جهة أخرى.
وبين مؤشرات رسمية تتحدث عن تحسن الزريعة، وشهادات صيادين عن تراجع حصيلتهم، يبقى الفرات أمام معادلة صعبة: مورد طبيعي يمكن أن يوفر الغذاء والدخل، لكنه يواصل فقدان جزء من قدرته على إعالة سكانه ما دامت وسائل الصيد المدمرة تجد طريقها إلى مياهه، وما دامت أدوات حماية هذا المورد أضعف من حجم النهر والمشكلة.
اقرأ أيضاً: الفرات ينزف أسماكه… الصيد بالكهرباء يستنزف ثروة الرقة