2500 طن من نفايات حلب يومياً.. موارد اقتصادية غير مستثمرة تتجه إلى المطامر
تنتج حلب نحو 2500 طن من النفايات يومياً، لكن المدينة لا تزال تتعامل مع الجزء الأكبر منها باعتباره عبئاً يجب جمعه وترحيله، لا مورداً يمكن استرداده وإعادته إلى دورة الإنتاج. وبين أكوام تتراكم في بعض الأحياء وحاويات لا تكفي الاحتياجات، تضيع كميات من البلاستيك والورق والمعادن والزجاج والمخلفات العضوية، فيما ينتهي جزء منها إلى المطامر أو الحرق.
وتكشف هذه المفارقة مشكلة تتجاوز النظافة العامة: مدينة تعاني أصلاً نقصاً في الإمكانات الخدمية، وتتعامل مع آلاف الأطنان يومياً بمنطق الترحيل، بينما ما تزال البنية اللازمة للفرز والمعالجة والتدوير محدودة. وحتى بعد تسلّم حلب 110 آليات خدمية جديدة في أيلول، أقرت المحافظة بأن بعض الأحياء ما زالت تشهد تراكمات بسبب خلل في الجمع والترحيل، وأن المدينة تحتاج إلى نحو 140 ضاغطة، مقابل أعداد أقل بكثير متاحة فعلياً.
المشكلة تبدأ قبل المطمر
نقص الحاويات وعدم انتظام الترحيل يدفعان النفايات إلى الشوارع والأراضي، ويجعلان الفرز من المصدر أكثر صعوبة. وفي شباط الماضي، تسلمت حلب 700 حاوية وخمس ضواغط إضافية، في محاولة لمعالجة تراكمات النفايات، ما يعكس حجم الفجوة بين احتياجات مدينة تنتج آلاف الأطنان يومياً والإمكانات المتاحة لإدارتها.
وبذلك تبدأ الحلقة من الخدمة الأساسية التي لم تستقر بعد: حاويات غير كافية، نقاط رمي عشوائية، جمع وترحيل يحتاج إلى مزيد من الآليات والكوادر، ثم نقل النفايات المختلطة إلى مواقع التخلص منها. وفي هذه السلسلة، يصبح استرداد المواد القابلة للتدوير أصعب وأكثر كلفة، لأن البلاستيك والورق والمعادن والزجاج تصل مختلطة بالمواد العضوية والملوثات.
المشكلة إذاً ليست غياب الحديث عن إعادة التدوير، بل أن المدينة لم تصل بعد إلى مرحلة تجعل الفرز جزءاً فعلياً من الخدمة اليومية.
أكوام النفايات تتحول إلى مشكلة صحية
لا يدفع السكان ثمن ضعف المنظومة من المشهد العام فقط. فتراكم النفايات العضوية يوفر بيئة مناسبة للحشرات والقوارض، بينما يؤدي تحللها إلى روائح وغازات قد تهيّج الجهاز التنفسي. ويزداد الخطر مع حرق النفايات، ولا سيما البلاستيك، بسبب الملوثات الناتجة عن الاحتراق.
ويحذر الطبيب سامي بوادقجي من ارتباط تراكم النفايات بانتشار الحشرات والقوارض والأمراض التي يمكن أن تنقلها، مشيراً إلى الليشمانيا المعروفة محلياً بـ”حبة حلب”، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بتلوث الطعام والمياه والهواء.
وفي مدينة تحمل إرثاً سياحياً وعمرانياً كبيراً، تتحول أكوام القمامة والروائح والحرق العشوائي إلى جزء من كلفة الإهمال الخدمي، لا سيما في الأحياء والأسواق التي يفترض أن تكون واجهة للمدينة.
مورد اقتصادي يعمل خارج المنظومة
في المقابل، يجري جزء من عملية الاسترداد فعلياً ولكن بصورة غير منظمة. فالنبّاشون يجمعون البلاستيك والورق والكرتون والمعادن من الشوارع والحاويات، ثم يبيعونها لتجار وورشات تعيد فرزها وتجهيزها.
وهذا النشاط يكشف أن النفايات ليست عديمة القيمة؛ لكنها تتحول إلى مورد اقتصادي خارج إطار منظومة رسمية واضحة. وتنظيم هذا القطاع يمكن أن يحول نشاطاً فردياً هشاً إلى سلسلة اقتصادية تشمل الجمع والفرز والنقل والمعالجة والتصنيع، وتوفر فرص عمل وتقلل الكميات التي تصل إلى المطامر.
كما يمكن للمخلفات الإنشائية والركام الناتج عن الدمار أن يدخل في مسار مشابه، عبر استعادة الحديد والإسمنت وبعض المواد القابلة لإعادة الاستخدام، بما يخفض كلفة التخلص منها ويتيح استخدامها في مشاريع إعادة الإعمار.
من الحديث عن التدوير إلى صناعة فعلية
أطلقت حلب خلال أيلول سوقاً للمنتجات الصديقة للبيئة بمشاركة أكثر من 60 عارضاً، بهدف تشجيع إعادة التدوير ونشر ثقافتها. لكن الفعاليات والمبادرات وحدها لا تكفي لبناء قطاع اقتصادي مستدام.
ما تحتاجه المدينة هو معرفة دقيقة بتركيب نفاياتها، ومراكز فرز، وحاويات مخصصة، وخطوط معالجة، ومصانع قادرة على شراء المواد المستردة، إضافة إلى سوق منتظمة لهذه المنتجات. كما ينبغي أن تتحول كمية النفايات المستردة ونسبة ما يُعاد تدويره وحجم ما ينخفض من النفايات الواصلة إلى المطامر إلى مؤشرات واضحة لقياس أداء المنظومة.
أما إبقاء آلاف الأطنان في دورة الجمع والترحيل والطمر، فهو يعني استمرار دفع كلفة النفايات مرتين: مرة لجمعها ونقلها، ومرة أخرى بخسارة المواد التي كان يمكن أن تتحول إلى مواد أولية وفرص عمل وعائد اقتصادي.
وفي حلب، حيث لا تزال المدينة تكافح لتأمين الحاوية والضاغطة وانتظام الترحيل، تبدو إعادة التدوير خطوة بعيدة ما لم تنتقل إدارة النفايات من معالجة التراكمات بعد حدوثها إلى بناء منظومة تمنع تحولها أصلاً إلى عبء يومي على السكان.
اقرأ أيضاً: نبش النفايات في دمشق يتحول إلى اقتصاد موازٍ.. أطفال يعملون والجهات الرسمية بلا أرقام