استهداف منشآت الطاقة في سوريا.. رسائل سياسية أم حرب استنزاف؟

تشهد البنية التحتية لقطاع الطاقة في سوريا تصعيدًا أمنيًا لافتًا، مع تكرار الهجمات التي تستهدف خطوط الغاز والمنشآت الكهربائية والعاملين في القطاع، في تطور يثير تساؤلات حول طبيعة هذه العمليات والجهات التي تقف وراءها، وما إذا كانت تمثل بداية مرحلة جديدة من استنزاف قطاع الطاقة السوري.

وخلال فترة قصيرة، تعرض خط الغاز الطبيعي المغذي لمحطة تشرين الحرارية في الغوطة الشرقية بريف دمشق لانفجار أدى إلى اندلاع حريق وخروج ثلاث محطات توليد رئيسية عن الخدمة مؤقتًا، هي محطات تشرين ودير علي والناصرية، قبل أن تتمكن الفرق الفنية من إعادة تشغيل محطتين منها.

وبالتزامن مع ذلك، استُهدف صمام مقطعي على خط نقل الغاز الواصل بين منطقتي الشولا ودير الزور، ما تسبب في توقف مؤقت لضخ الغاز القادم من معمل الجبسة في محافظة الحسكة، قبل أن تعلن الشركة السورية للبترول الانتهاء من أعمال الإصلاح وإعادة الخط إلى الخدمة.

هجمات تتجاوز خطوط الغاز ومحطات الكهرباء

لم يقتصر التصعيد على منشآت الطاقة وخطوط نقل الغاز، بل امتد إلى العاملين في القطاع، إذ تعرضت حافلة تقل مهندسين وعمالًا تابعين لشركة كهرباء خاصة لهجوم مسلح عند جسر مصياف في محافظة حمص.

وأسفر الهجوم، عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة أربعة آخرين، ما يضيف بُعدًا أمنيًا جديدًا إلى سلسلة الهجمات التي طالت قطاع الطاقة والبنية التحتية الحيوية في سوريا.

ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من تحديات كبيرة مرتبطة بإنتاج الكهرباء وتأمين الوقود والغاز، ما يجعل أي استهداف لمحطات التوليد أو شبكات النقل عاملًا إضافيًا في زيادة ساعات التقنين والضغط على الخدمات الأساسية.

هل استهداف الطاقة في سوريا ممنهج؟

يثير تزامن الهجمات على خطوط الغاز والمنشآت الكهربائية تساؤلات حول ما إذا كانت العمليات الأخيرة مجرد حوادث أمنية منفصلة، أم أنها جزء من نمط أوسع يستهدف البنية التحتية الاقتصادية في سوريا.

ويرى باحثون تحدثوا إلى وسائل إعلام محلية أن استهداف منشآت الطاقة في هذا التوقيت قد يحمل أبعادًا سياسية واقتصادية، خصوصًا أن قطاع الطاقة يمثل عنصرًا أساسيًا في أي عملية تعافٍ اقتصادي وإعادة إعمار مستقبلية.

ويعتقد الباحث في مركز جسور للدراسات، وائل علوان، أن تكرار التفجيرات في مناطق مختلفة، واستهداف خطوط الطاقة والغاز، لا يمكن تفسيره فقط باعتباره نتيجة لثغرات أمنية عابرة.

وبحسب علوان، فإن طبيعة الأهداف تشير إلى وجود مستوى من التخطيط والمعلومات المسبقة، خصوصًا أن استهداف منشآت الطاقة يتطلب معرفة بمواقعها وآليات تشغيلها وخطوط إمدادها.

تنظيم داعش في دائرة الاتهامات

تطرح التطورات الأمنية الأخيرة أيضًا احتمال ارتباط بعض الهجمات بخلايا تنظيم “داعش”، ولا سيما في ظل النشاط الذي ينسب إلى التنظيم في البادية السورية ومناطق من دير الزور وجنوب البلاد.

ويرى علوان أن قدرة خلايا التنظيم على تنفيذ عمليات متفرقة لا تعني بالضرورة أنها تقف وحدها خلف جميع الهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة، مشيرًا إلى أن طبيعة بعض العمليات قد توحي بوجود دعم معلوماتي أو لوجستي من جهات أخرى.

ويظل تحديد الجهة المسؤولة عن الهجمات أمرًا يحتاج إلى أدلة وتحقيقات رسمية، في ظل تعدد الأطراف المسلحة والمصالح المتداخلة داخل الساحة السورية.

احتمالات بتورط أطراف إقليمية

لا يستبعد بعض المحللين وجود أبعاد إقليمية للهجمات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة في سوريا.

ويضع علوان “إسرائيل” ضمن أبرز الاحتمالات التي يرى أنها تستحق البحث، معتبرًا أن التصعيد الأمني قد يرتبط بمحاولات ممارسة ضغوط سياسية على الحكومة السورية، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب لموازين القوى والعلاقات الأمنية.

كما يشير إلى احتمال وجود أدوار مرتبطة بإيران أو حزب الله، في ظل مصالح هذه الأطراف في التأثير في مسارات التطورات الإقليمية وتخفيف الضغوط السياسية والأمنية المفروضة عليها.

لكن هذه الاحتمالات تبقى، في غياب نتائج تحقيقات رسمية وأدلة معلنة، ضمن إطار التحليل السياسي والأمني، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقائق مثبتة.

استهداف الطاقة يهدد التعافي الاقتصادي

من الناحية الاقتصادية، يمثل استهداف منشآت الطاقة وخطوط الغاز تحديًا مباشرًا أمام جهود التعافي في سوريا.

ويرى الباحث في الاقتصاد السياسي أيمن الدسوقي أن الانتقال من استهداف المنشآت العسكرية والأمنية إلى استهداف البنية التحتية الحيوية يعكس تغيرًا في أدوات الضغط، حتى لو بقيت الأهداف السياسية والاستراتيجية متقاربة.

وبحسب الدسوقي، فإن تعطيل محطات الكهرباء وخطوط الغاز يفرض تكاليف إضافية على الحكومة، سواء من خلال عمليات الإصلاح أو تأمين بدائل للطاقة، كما ينعكس بصورة مباشرة على الخدمات المقدمة للسكان.

ويؤدي تضرر قطاع الطاقة كذلك إلى زيادة الضغوط المعيشية، في ظل ارتفاع تكاليف المحروقات وضعف القدرة على تأمين الكهرباء، الأمر الذي يمكن أن يفاقم حالة الاحتقان الشعبي ويعرقل جهود التعافي الاقتصادي.

خطوط الغاز والكهرباء.. هدف ذو قيمة استراتيجية

تكتسب خطوط الغاز ومحطات توليد الكهرباء أهمية تتجاوز وظيفتها الخدمية، نظرًا لارتباطها المباشر بالاقتصاد والنقل والصناعة والمياه والخدمات الأساسية.

ومن هذا المنطلق، فإن تكرار استهدافها يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات متسلسلة تبدأ من توقف محطة أو خط غاز، وتمتد إلى انخفاض إنتاج الكهرباء وزيادة ساعات التقنين، وصولًا إلى ارتفاع كلفة الإنتاج والخدمات.

كما أن استمرار الهجمات على البنية التحتية للطاقة قد يؤثر في خطط سوريا المستقبلية للاستفادة من موقعها الجغرافي في مشاريع الربط والطاقة الإقليمية، وهي مشاريع يمكن أن تشكل مصدرًا مهمًا للإيرادات والاستثمارات.

هل تحتاج سوريا إلى استراتيجية أمنية جديدة؟

يرى الدسوقي أن مواجهة التهديدات التي تطال المنشآت الحيوية تتطلب إعادة النظر في منظومة حماية البنية التحتية، بدل الاكتفاء بالتعامل مع الهجمات بعد وقوعها.

ويشمل ذلك تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، ورفع مستوى حماية المنشآت وخطوط النقل، إلى جانب تطوير آليات الإنذار المبكر والاستفادة من المجتمعات المحلية في المناطق التي تمر بها خطوط الطاقة.

كما تبرز أهمية التعاون الأمني الإقليمي، خصوصًا أن بعض خطوط الغاز والبنية التحتية للطاقة تمتد عبر مناطق جغرافية واسعة، ما يجعل حمايتها مسؤولية تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين الجهات المختلفة.

من يقف وراء استهداف قطاع الطاقة في سوريا؟

رغم تعدد السيناريوهات المطروحة، لا تزال هوية الجهات المسؤولة عن سلسلة الهجمات الأخيرة بحاجة إلى مزيد من الأدلة والتحقيقات.

وتتراوح التقديرات بين هجمات تنفذها خلايا مرتبطة بتنظيم “داعش”، وعمليات قد تستفيد من ثغرات أمنية محلية، وصولًا إلى احتمالات تتعلق بأطراف إقليمية لديها مصالح سياسية أو أمنية في سوريا.

ويعتمد تحديد المسؤولية في نهاية المطاف على نتائج التحقيقات الرسمية، وطبيعة الأدلة التي يمكن جمعها من مواقع الاستهداف، وليس فقط على التحليلات السياسية أو الأمنية.

استهداف الطاقة.. بداية استنزاف طويل أم تصعيد مؤقت؟

تضع الهجمات الأخيرة قطاع الطاقة السوري أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على استمرارية الخدمات من جهة، وحماية المنشآت والعاملين فيها من جهة أخرى.

ومع تكرار استهداف خطوط الغاز ومحطات الكهرباء والعاملين في القطاع، تبرز مخاوف من تحول هذه العمليات إلى نمط مستمر يعرقل جهود إصلاح البنية التحتية ويزيد كلفة التعافي الاقتصادي.

ويبقى السؤال الأبرز: هل تمثل الهجمات الأخيرة بداية حملة استنزاف طويلة تستهدف قطاع الطاقة السوري، أم أنها موجة أمنية مؤقتة مرتبطة بالظروف السياسية والعسكرية الراهنة؟

وتظل الإجابة مرتبطة بما ستكشفه التحقيقات الجارية، وبمدى قدرة السلطات السورية على منع تكرار الهجمات وتأمين المنشآت الحيوية وخطوط إمداد الطاقة.

إقرأ أيضاً: حوادث خطوط الغاز في سوريا تثير تساؤلات حول أمن منشآت الطاقة

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.