ترشيد الإنفاق في سوريا: هل تكشف الإجراءات الجديدة حجم الأزمة الاقتصادية؟
لا يعكس توجّه الحكومة السورية نحو ترشيد الإنفاق الحكومي حجم التأثير الذي خلّفته التطورات الإقليمية على الاقتصاد السوري فحسب، بل يكشف أيضاً عن خيبة أمل متزايدة نتيجة غياب الدعم المالي الخارجي، إلى جانب تعثر السياسات الاقتصادية التي اتُّبعت خلال الأشهر الماضية.
وكانت تلك السياسات قد قامت، إلى حد كبير، على التعويل على تدفق الاستثمارات، والتوسع في الوعود بإطلاق مشاريع جديدة وزيادة الإنتاج المحلي، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي واستنزاف الموارد العامة.
واللافت في إجراءات خفض الإنفاق الحكومي في سوريا التي أعلنتها الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، أنها تشبه إلى حد كبير الإجراءات التي كان النظام السابق يطبقها خلال سنوات الحرب، قبل أن تلغيها الإدارة الجديدة بعد توليها السلطة من دون دراسة كافية، وفق منتقدين.
وتشمل إجراءات الترشيد وقف السفر والإيفاد الخارجي، وتعليق شراء السيارات والآليات والأثاث والمفروشات المكتبية، إضافة إلى خفض مخصصات الوقود للسيارات والآليات الحكومية وتشديد الرقابة على استخدامها.
توقف المنح والدعم المالي الخارجي لسوريا
خلال الأيام الماضية، صدرت تصريحات رسمية وتقارير إعلامية تحدثت عن تراجع أو توقف مصادر مهمة من التمويل الخارجي لسوريا.
ومن أبرز هذه التصريحات ما أدلى به وزير الطاقة، محمد البشير، بشأن توقف المنحة القطرية المخصصة لدعم قطاع الكهرباء منذ نحو شهرين. وكانت المنحة تساهم في تمويل استيراد سوريا نحو 5 ملايين متر مكعب يومياً من الغاز الأذربيجاني.
ويضع توقف هذه المنحة دمشق أمام خيارين رئيسيين: إما توفير ما يقارب 105 ملايين دولار شهرياً لتمويل استيراد الغاز الأذربيجاني، أو خفض أو وقف استيراد هذه الكميات، بما قد ينعكس على إنتاج الكهرباء وزيادة ساعات التقنين.
وفي سياق متصل، قال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، إن «المجتمع الدولي خذل سوريا في تأمين الدعم اللازم لعملية إعادة الإعمار».
وتضاف إلى ذلك معلومات متداولة بشأن توقف مخصصات مالية قطرية قيل إنها كانت تساهم في تغطية رواتب عناصر الجيش الجديد، الأمر الذي ارتبط، وفق تقديرات متداولة، بطلب دمشق مساعدة من أبو ظبي لتجاوز الضغوط المالية.
وتشير هذه التطورات إلى أن الدعم المالي الخارجي لسوريا كان أحد العناصر التي اعتمدت عليها السلطات الانتقالية في ترتيب جزء من إنفاقها وخططها الاقتصادية.
حجم الإنفاق الحكومي في سوريا
لكن إلى أي مدى يؤثر تراجع الدعم الخارجي في المالية العامة السورية؟
بحسب البيانات المحدودة التي نشرتها وزارة المالية حول موازنة العام الحالي، يذهب نحو 33% من الإنفاق المخطط إلى أنشطة الدفاع والأمن، بما يعادل نحو 3.5 مليارات دولار، بينما تخصص نحو 26% من الموازنة لأنشطة الخدمات العامة، أي ما يقارب 2.6 مليار دولار.
ولا تتضح، في ظل محدودية البيانات المنشورة، طبيعة العلاقة بين هذه الموازنة والمنح والمساعدات الخارجية المعلنة وغير المعلنة، وما إذا كانت تلك الأموال قد أدرجت ضمن الإيرادات الخارجية للموازنة أم بقيت خارج إدارة وزارة المالية.
وتزداد صعوبة تقييم الوضع المالي مع عدم نشر تقارير تفصيلية منتظمة حول أداء الوزارات وأوجه الإنفاق الحكومي.
وفي هذا السياق، قدمت قطر والسعودية دعماً بقيمة 89 مليون دولار لتمويل رواتب العاملين في مؤسسات الدولة لمدة ثلاثة أشهر، كما سدد البلدان التزامات سوريا تجاه البنك الدولي، والتي بلغت نحو 15 مليون دولار.
وكانت السعودية قد أرسلت خلال العام الماضي شحنات مجانية من النفط الخام بلغ مجموعها نحو 1.65 مليون برميل.
غير أن جزءاً كبيراً من هذا الدعم توقف تدريجياً، بعدما كانت السلطات الانتقالية تعوّل على استمراره، وهو ما انعكس على قدرتها على تمويل الإنفاق العام وإدارة موارد الدولة.
السياسات الاقتصادية للحكومة الانتقالية السورية
منذ وصول الإدارة الانتقالية إلى السلطة، واجهت طريقة إدارة الاقتصاد السوري انتقادات واسعة من اقتصاديين ومراقبين.
ويرى منتقدون أن السياسات الاقتصادية الجديدة لم تنجح حتى الآن في تحقيق التوازن بين تحرير الاقتصاد وتحسين الإنتاج المحلي ومستوى المعيشة.
فقد اتجهت السلطات إلى تطبيق سياسات اقتصادية أكثر ليبرالية، شملت تحريراً واسعاً للتجارة الخارجية وإلغاء الدعم الحكومي، بالتزامن مع وعود بجذب الاستثمارات وإنشاء المصانع وزيادة الإنتاج.
لكن هذه الوعود لم تترافق، وفق منتقدي الحكومة، مع ترجمة عملية كافية على مستوى الاستثمار والإنتاج، في وقت ارتفع فيه الإنفاق الحكومي وتوقف الدعم وتسريح أعداد كبيرة من العاملين العسكريين والمدنيين المرتبطين بالنظام السابق.
وبحسب بيانات النصف الأول، شكّلت النفقات الإدارية والاستهلاكية نحو 28% من إجمالي النفقات الحكومية خلال الفترة المذكورة، لتحتل المرتبة الثانية بعد الرواتب والأجور التي بلغت حصتها نحو 36%.
الرواتب والأجور واستنزاف الموارد الحكومية
تنقسم كتلة الرواتب والأجور في الجهاز الحكومي إلى شريحتين رئيسيتين.
الأولى تضم موظفي مؤسسات الدولة، وقد شهدت هذه الفئة خلال العام الماضي زيادتين شاملتين لجميع العاملين، إضافة إلى زيادة نوعية لبعض المهن والاختصاصات.
ولا تتوافر بيانات حديثة ودقيقة حول العدد الإجمالي لموظفي مؤسسات الدولة، خصوصاً في ظل مغادرة أو إجبار عدد من العاملين على الاستقالة خلال المرحلة الانتقالية.
أما الشريحة الثانية فتتعلق بموظفي حكومة «الإنقاذ»، الذين تتراوح رواتبهم، وفق المعلومات المتداولة، بين 400 و1500 دولار شهرياً، باستثناء بعض شخصيات الإدارة العليا.
وبحسب هذه المعلومات، استقدمت «هيئة تحرير الشام» معها عند وصولها إلى السلطة نحو 27 ألف شخص، جرى توزيعهم على مفاصل مختلفة من الجهاز الحكومي.
وكانت رواتب هؤلاء تقدر بنحو 350 مليون دولار سنوياً، قبل أن يؤدي ارتفاع عدد الموظفين لاحقاً، وتعدد التسميات الوظيفية ومنح بعضهم رواتب استثنائية، إلى زيادة حجم فاتورة الأجور.
ويرى منتقدون أن ارتفاع الإنفاق على الجهاز الإداري والرواتب يشكل ضغطاً إضافياً على الإيرادات المحلية والمساعدات الخارجية في ظل محدودية الموارد المالية للدولة.
هل تكفي إجراءات ترشيد الإنفاق في سوريا؟
لا يرى اقتصاديون أن إجراءات ترشيد الإنفاق الحكومي في سوريا المعلنة أخيراً كافية لمعالجة الاختلالات الاقتصادية والمالية الأوسع.
وقد تساهم هذه الإجراءات في ضبط إنفاق المؤسسات الحكومية والحد من بعض المصروفات غير الضرورية، كما يمكن أن تساعد في توجيه جزء أكبر من الإنفاق نحو الأنشطة الاستثمارية والإنتاجية.
لكن معالجة الأزمة الاقتصادية السورية تتطلب، وفق آراء اقتصادية، إجراءات تتجاوز خفض الإنفاق التشغيلي، وتشمل مراجعة السياسات الاقتصادية المعتمدة خلال المرحلة الحالية، وتوسيع مشاركة الخبرات الاقتصادية المختلفة في صناعة القرار.
كما تشمل الأولويات المطروحة إعطاء مساحة أكبر للمستثمر المحلي، والحفاظ على الكفاءات داخل مؤسسات الدولة، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً للاستثمار والإنتاج، إلى جانب تعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء.
ويرى اقتصاديون أيضاً أن تحسين الوضع الاقتصادي لا ينفصل عن معالجة الملفات السياسية والاجتماعية، وفي مقدمتها المصالحة الوطنية وتعزيز الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السوري.
وبالتالي، فإن ترشيد الإنفاق في سوريا قد يكون خطوة لضبط المالية العامة، لكنه لا يمثل بمفرده حلاً للأزمة الاقتصادية، التي ترتبط أيضاً بمستوى الإنتاج، والاستثمار، والإيرادات العامة، والدعم الخارجي، وطريقة إدارة مؤسسات الدولة.
وتختصر إحدى الرؤى الاقتصادية المطروحة المرحلة المقبلة بالحاجة إلى بناء دولة ومؤسسات تخدم جميع السوريين، بصرف النظر عن مواقفهم وآرائهم وانتماءاتهم.
إقرأ أيضاً: المالية السورية تقر خطة لترشيد الإنفاق العام وتؤكد عدم المساس بالرواتب
إقرأ أيضاً: إعادة إعمار سوريا تتعثر وسط فجوة كبيرة بين الاحتياجات والدعم الدولي