التحولات الإقليمية تفتح مسارات أمام دمشق.. هل تتحول الفرص إلى مكاسب؟
تدخل سوريا مرحلة إقليمية متحركة بالتزامن مع اقتراب الموعد الرسمي المحدد لانسحاب القوات الأميركية من العراق، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب في موازين القوى والتحالفات والأدوار السياسية والأمنية والاقتصادية. وتضع هذه التحولات دمشق أمام فرص محتملة لإعادة بناء علاقاتها مع محيطها، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليها تحديات تتعلق بإدارة الملفات الداخلية والحفاظ على هامش من القرار الوطني وسط تعدد القوى المؤثرة.
ولا تقتصر مهمة إعادة بناء الدولة السورية، بعد سنوات الحرب والانقسام والتدخلات الخارجية، على إصلاح المؤسسات أو إعادة تأهيل البنية التحتية. فالمرحلة تطرح أيضاً مسائل مرتبطة بعلاقة الدولة بالمجتمع، واستعادة الثقة بالمؤسسات الرسمية، وتحسين قدرتها على إدارة الملفات الأمنية والاقتصادية والخدمية، إلى جانب إيجاد إطار سياسي يستوعب المكونات والقوى السورية المختلفة.
في هذا السياق، يمكن أن تتيح إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية أمام دمشق فرصاً في مجالات التجارة والطاقة والنقل وإعادة الإعمار، خصوصاً مع أهمية الموقع الجغرافي لسوريا بالنسبة إلى محيطها. لكن تحويل هذه الفرص إلى نتائج فعلية يبقى مرتبطاً بقدرة المؤسسات السورية على إدارة العلاقات الخارجية وفق مصالح واضحة، بالتوازي مع معالجة الضغوط الاقتصادية والأمنية والاجتماعية في الداخل.
سوريا بين الضغوط الإقليمية والداخلية
ترى الباحثة في الشأن السياسي علياء عباس أن سوريا تواجه ما تصفه بـ”الشد الإقليمي”، في ظل كونها ساحة مفتوحة لتداخلات قوى إقليمية متنافسة تمتلك مستويات مختلفة من النفوذ والتأثير.
وتقول عباس إن المشهد السوري يأتي ضمن بيئة إقليمية شديدة التعقيد، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات سياسية وأمنية حساسة، ما يجعل قدرة الحكومة السورية على إدارة المرحلة أكثر صعوبة، ولا سيما مع استمرار الأزمات الاقتصادية والأمنية في البلاد.
وتشير إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والسلع والخدمات يفرض ضغوطاً إضافية على الحكومة، بالتزامن مع مظاهرات واحتجاجات تظهر بين فترة وأخرى، فضلاً عن استمرار خروقات أمنية في عدد من المدن والمناطق وبفترات زمنية متقاربة.
ولا ترى عباس أن التحديات تقتصر على الاقتصاد والأمن، إذ تضع التطورات المرتبطة بالملف الإسرائيلي دمشق أمام تحديات جيوسياسية إضافية، في ظل استمرار التوغلات الإسرائيلية وما تسببه من تداعيات سياسية وأمنية.
وبحسب الباحثة، فإن طريقة التعامل مع هذه التحركات وما تفرضه من ضغوط يمكن أن تضع الحكومة السورية أمام اختبارات متكررة، خصوصاً عندما تتقاطع التطورات الأمنية مع قضايا السيادة الوطنية، وما يرافق ذلك من انعكاسات على علاقتها بالرأي العام الداخلي والإقليمي.
وترى عباس أن قدرة دمشق على التعامل مع هذه الملفات ستبقى مرتبطة بقدرة مؤسسات الدولة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتعزيز حضورها في مختلف المناطق، ومنع تراكم الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية إلى مستوى يصعب احتواؤه.
العلاقات الإقليمية كمسار اقتصادي وأمني
تعتبر عباس أن بناء علاقات متوازنة مع الدول العربية والإقليمية، على أساس المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي والأمني والسياسي، يمكن أن يوفر مجالاً أمام سوريا لتطوير مشاريع في التجارة والطاقة والنقل وإعادة الإعمار.
كما ترى أن التعاون الإقليمي يمكن أن يشمل أمن الحدود والتعامل مع التحديات المشتركة، بما قد يساهم في خلق بيئة أكثر استقراراً بالنسبة إلى سوريا ومحيطها.
وبحسب عباس، فإن نجاح سوريا في بناء شبكة تفاهمات إقليمية تراعي مصالحها ومصالح الدول المجاورة قد يؤدي إلى نشوء واقع مختلف على مستوى العلاقات الإقليمية. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن إعادة ترتيب هذه العلاقات قد تفرض حسابات جديدة لدى أطراف ترى في أي تقارب إقليمي تحولاً في موازين النفوذ القائمة.
وتخلص الباحثة إلى أن التحدي بالنسبة إلى دمشق لا يرتبط فقط بإدارة أزماتها الداخلية، وإنما أيضاً بقدرتها على التعامل مع محيطها الإقليمي بصورة متوازنة، والاستفادة من موقع سوريا الجغرافي والسياسي في تطوير علاقات قائمة على التعاون والمصالح المشتركة بدلاً من بقائها ساحة للتجاذبات.
نافذة لإعادة بناء مؤسسات الدولة
من جهته، يرى الباحث في العلاقات الدولية محمد اليمني أن التحولات الجارية في المنطقة توفر لسوريا فرصة لإعادة ترتيب عملية بناء الدولة، لكنه يعتبر أن هذه الفرصة تأتي في بيئة شديدة التعقيد.
ويقول في تصريحات إن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى والتحالفات والأدوار، وإن سوريا لم تعد منفصلة عن هذه العملية، بعد سنوات كانت خلالها ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية.
ويشير اليمني إلى أن الدولة السورية تعمل وسط مجموعة واسعة من التحديات، تشمل آثار الحرب الطويلة، والانقسامات الداخلية، وتعدد القوى المسلحة، والتدخلات الإقليمية والدولية، والأزمة الاقتصادية، والنزوح الواسع، إضافة إلى حجم الدمار الذي طال البنية التحتية والمؤسسات.
ويرى أن أي انخفاض في مستوى الصراع الإقليمي أو تغير في طبيعة العلاقات بين القوى المؤثرة في سوريا يمكن أن يمنح مؤسسات الدولة مساحة أكبر لإعادة ترتيب عملها واستعادة قدرتها على إدارة البلاد.
لكن اليمني يشدد على أن التحولات الخارجية لا تؤدي تلقائياً إلى بناء الدولة، وإنما يمكن أن توفر الظروف التي تسمح بهذه العملية. ويعتبر أن تحويل هذه التحولات إلى نتائج داخلية يتطلب مشروعاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها.
إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع
ويعرّف اليمني الدولة باعتبارها منظومة مؤسسات تتيح للمواطن الوصول إلى حقوقه وخدماته من دون الحاجة إلى وسيط سياسي أو طائفي أو عسكري. ومن هذا المنطلق، يرى أن التحولات الإقليمية يمكن أن تمنح سوريا فرصة للانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة أكثر اعتماداً على المؤسسات.
لكن هذه العملية، بحسب الباحث، تتطلب أيضاً إعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وهي من أصعب الملفات التي تواجه عملية إعادة البناء.
ويقول إن التحولات الإقليمية تمثل فرصة مشروطة بطريقة توظيفها؛ فإذا ساهمت في فتح المجال أمام تسوية سياسية واسعة، وإعادة توحيد المؤسسات، وتحسين الاقتصاد، وعودة النازحين واللاجئين، فقد تشكل نقطة تحول في مسار البلاد. أما إذا تحولت إلى تنافس جديد بين القوى الإقليمية على النفوذ داخل سوريا، فقد تعيد إنتاج الأزمة بأشكال مختلفة.
دور عربي وإقليمي ودولي
ويؤكد اليمني أن القوى الإقليمية والدولية تمتلك تأثيراً مهماً في مستقبل سوريا، لكنه يميز بين تقديم الدعم الخارجي وبين بناء الدولة من الخارج، مشدداً على أن القوى الخارجية لا تستطيع أن تحل محل الدولة والمجتمع السوريين.
ويرى أن الدول العربية يمكن أن تؤدي دوراً في إعادة دمج سوريا ضمن محيطها العربي، بدءاً من دعم استقرار البلاد ووحدتها وسيادتها، وصولاً إلى مجالات الاستثمار وإعادة الإعمار وفتح الأسواق والطرق التجارية، ودعم قطاعات الطاقة والنقل والصناعة والزراعة.
كما يمكن للدول الإقليمية الأخرى، بحكم الجغرافيا والمصالح الأمنية والاقتصادية، أن تساهم في الملفات الحدودية والأمنية والتجارية، إضافة إلى تسهيل عودة اللاجئين، ومواجهة التنظيمات المسلحة، ودعم مشاريع إعادة الإعمار.
لكن اليمني يشدد على أن هذا الدور الإقليمي ينبغي ألا يتحول إلى تقاسم للنفوذ داخل مؤسسات الدولة السورية.
أما على المستوى الدولي، فيشير الباحث إلى أن القوى الدولية تمتلك أدوات أوسع، خصوصاً في مجالات التمويل والاستثمار وإعادة الإعمار، والتعامل مع المؤسسات المالية الدولية، وتقديم الدعم السياسي والخبرات الفنية.
ويضيف أن الدول الأوروبية والولايات المتحدة وغيرها يمكن أن تساهم في إعادة بناء قطاعات حيوية، وتوفير الخبرات المتعلقة بإصلاح الإدارة والقطاع المصرفي والطاقة والبنية التحتية، إلى جانب دعم المؤسسات المدنية.
وبين الفرص التي تتيحها التحولات الإقليمية والتحديات التي تفرضها، تبدو قدرة دمشق على إدارة المرحلة مرتبطة بعوامل داخلية وخارجية في آن واحد. فإعادة ترتيب العلاقات مع المحيط يمكن أن تفتح مجالات للتعاون الاقتصادي والأمني والسياسي، لكن تحويل ذلك إلى مسار مستدام يبقى مرتبطاً بقدرة مؤسسات الدولة على استعادة الثقة، وتعزيز حضورها، وإدارة الضغوط الداخلية والخارجية ضمن إطار واضح للمصالح السورية.
اقرأ أيضاً:وفد حكومي سوري إلى بيروت لبحث الاقتصاد والطاقة والاستثمار والتعاون المشترك
اقرأ أيضاً:بدء تأهيل مطار المزة بدمشق لتحويله إلى مطار مدني مخصص للطيران الخاص