العودة إلى الأنقاض.. سوريون يغادرون المخيمات بحثاً عن حياة بين ركام منازلهم
بعد سنوات من النزوح، بدأ صبحي الصخوري رحلة العودة إلى قريته، لكنه لم يجد المنزل الذي غادره. لم يبق من المكان سوى أجزاء من الجدران، وحجارة متناثرة وأسياخ حديد ملتوية، فيما تحولت المنطقة المحيطة إلى ركام بفعل القصف.
يحمل الصخوري خيمة بلاستيكية زرقاء اشتراها من سوق المخيم، ومجرفة استعارها من أحد جيرانه. وبينما كانت أسرته المؤلفة من سبعة أشخاص تعيش في خيمة ضيقة بمخيم حزانو شمال إدلب، قرر العودة بعدما أصبحت ظروف الحياة في المخيم أكثر صعوبة مع انقطاع المياه وتراجع المساعدات.
في زاوية قريبة من المكان الذي كان يشغله مطبخ منزله، نصب الصخوري خيمته الجديدة فوق الأنقاض. بالنسبة إليه، لا تبدو الخيمة حلاً دائماً، لكنها تمنحه فرصة للعيش في بلدته بدلاً من البقاء في المخيم.
ولا يواجه الصخوري هذا الواقع بمفرده. فقد انتشرت عشرات الخيام بين أنقاض المنازل في المنطقة، بعدما اختارت عائلات العودة إلى مناطقها الأصلية رغم الدمار ونقص الخدمات. ويبدو هذا الخيار بالنسبة إلى كثيرين مرتبطاً برغبتهم في مغادرة حياة المخيمات والعودة إلى أماكن ينتمون إليها، حتى وإن لم تعد صالحة للسكن كما كانت.
217 عائلة تغادر مخيمات الشمال السوري
وتزامنت هذه العودة مع مغادرة قافلة تضم 217 عائلة مخيماتها خلال الأسبوع الماضي، متجهة إلى مناطق سكنها الأصلية في أرياف إدلب وحماة ودمشق.
وتأتي هذه التحركات في سياق عودة أعداد كبيرة من السوريين إلى مناطقهم منذ سقوط النظام في كانون الأول 2024. وبحسب المعطيات الواردة، عاد أكثر من ثلاثة ملايين سوري بين لاجئ ونازح داخلي، فيما قدرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عودة نحو 1.9 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم الأصلية خلال عام 2025.
لكن العودة لا تعني بالضرورة استعادة الحياة التي تركها هؤلاء خلفهم؛ فالكثير من العائدين يجدون أنفسهم أمام منازل مدمرة وبنية تحتية متضررة ونقص في الخدمات الأساسية.
سبع سنوات في المخيم قبل العودة إلى خان شيخون
بعد سبع سنوات قضاها في مخيم «الوحلة» شمال إدلب، جمع فيصل النجار ما يستطيع حمله وغادر الخيمة التي عاش فيها طوال تلك الفترة، متوجهاً إلى منزله في خان شيخون جنوبي إدلب.
لم تكن العودة بالنسبة إليه مجرد انتقال من مكان إلى آخر. فقد ترك في المخيم ذكرى ابنه الرضيع الذي توفي قبل عامين ودُفن هناك، بعدما عجزت العيادات المتنقلة، وفق روايته، عن توفير الدواء اللازم لإنقاذه خلال ليلة شتوية قاسية.
وعند وصوله إلى منزله، وجد أن الدمار طال أكثر من 80% من المدينة، فيما تحتاج أجزاء واسعة من المنزل إلى الترميم.
يقول النجار إن ظروف المخيمات دفعت عائلته إلى اتخاذ قرار العودة، في ظل الفقر وصعوبة تأمين الغذاء وتراجع مصادر الدخل وانتشار الأمراض بين الأطفال.
ويضيف: «لم تعد المخيمات تطيقنا، ونحن لم نعد نطيقها»، معتبراً أن الإقامة في خيمة فوق أنقاض منزله أفضل بالنسبة إليه من الاستمرار في مخيم يفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.
ويعرف النجار أن إعادة بناء منزله قد تستغرق سنوات، لكنه يرى أن العودة كانت الخيار المتاح أمامه، شأنه شأن عائلات أخرى بدأت مرحلة جديدة من حياتها وسط آثار الدمار.
عودة إلى قرى تفتقر إلى الخدمات
ومن بين العائدين أيضاً عبسية العبدو، التي عادت حديثاً إلى قرية معرة ماتر جنوب إدلب بعد ثماني سنوات من النزوح في مخيمات شمال المحافظة.
تجلس العبدو أمام خيمتها، فيما تنظر إلى الأنقاض التي كانت تضم مطبخ منزلها، وتحاول تصور كيفية إدارة حياتها اليومية في ظل غياب المياه والكهرباء.
ولا تتوقف المخاوف عند نقص الخدمات. فوجود الألغام والذخائر غير المنفجرة بين الأنقاض وفي محيط المناطق السكنية يشكل خطراً إضافياً على العائدين، ولا سيما الأطفال.
وتقول العبدو إنها تخشى على أطفالها من الأجسام الغريبة التي قد يعثرون عليها أثناء اللعب، مضيفة: «كل يوم أسمع عن انفجار في قرية مجاورة يذهب ضحيته أطفال».
وتطالب العبدو الحكومة بإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، وإعادة توفير المياه والكهرباء، قائلة إن العائدين يريدون فقط تأمين الظروف الأساسية للعيش في مناطقهم الأصلية.
إزالة الأنقاض تمثل أحد أبرز تحديات العودة
وفي ظل اتساع حجم الدمار، تعمل جهات إنسانية وحكومية على إزالة الأنقاض وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
وأطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مشروعاً لإزالة 570 ألف طن من الأنقاض في محافظات حلب ودير الزور وحمص وريف دمشق.
وفي إدلب، يواصل الدفاع المدني عمليات إزالة الركام والأنقاض بهدف تأهيل البنية التحتية وتهيئة الظروف أمام عودة السكان، في وقت لا تزال فيه كميات كبيرة من مخلفات الدمار بحاجة إلى الإزالة.
وكان برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قد أشار إلى إزالة أكثر من 2.1 مليون متر مكعب من الأنقاض في آذار الماضي، فيما تبقى كميات كبيرة أخرى في مناطق مختلفة بحاجة إلى المعالجة.
«سوريا بلا مخيمات» بحلول 2027
وتندرج هذه الجهود ضمن رؤية «سوريا بلا مخيمات» التي أطلقها الرئيس أحمد الشرع في أيار 2026، بهدف إنهاء ملف النزوح الداخلي وتفكيك مخيمات النازحين بحلول عام 2027.
وينص المرسوم التشريعي رقم 59 على تأهيل المناطق المتضررة وتهيئة الظروف اللوجستية والخدمية اللازمة لتسهيل عودة النازحين.
لكن حجم الدمار والاحتياجات الإنسانية يجعل تنفيذ هذا الهدف مرتبطاً بقدرة الجهات المعنية على إعادة تأهيل المناطق وتوفير الخدمات الأساسية وتأمين المناطق التي ما تزال تحتوي على ألغام وذخائر غير منفجرة.
مئات الآلاف ما زالوا في المخيمات
وتشير بيانات حديثة إلى أن أزمة النزوح الداخلي لم تنته رغم عودة أعداد كبيرة من النازحين وإغلاق عدد من المخيمات.
ففي تقرير نشرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 20 حزيران/يونيو الماضي، أفادت الشبكة بأن أكثر من 1.8 مليون نازح عادوا إلى مناطقهم خلال الفترة الممتدة بين حزيران/يونيو 2025 وحزيران/يونيو 2026، بالتزامن مع إغلاق عدد من المخيمات.
ومع ذلك، قال التقرير إن نحو 1126 مخيماً لا تزال قائمة في شمال غربي سوريا، وتؤوي قرابة 700 ألف نازح، بينها نحو 786 مخيماً في محافظة إدلب وقرابة 340 مخيماً في ريف حلب.
وبينما تستمر قوافل العودة، يواجه العائدون واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي تركوه خلفهم: منازل مدمرة، وخدمات غائبة، وأنقاض وألغام، وحاجة كبيرة إلى إعادة الإعمار. وفي هذا المشهد، تتحول الخيام التي كانت رمزاً للنزوح إلى مساكن مؤقتة جديدة فوق أنقاض البيوت، في انتظار أن تصبح العودة إلى الوطن عودة إلى حياة مستقرة، لا مجرد انتقال من مخيم إلى آخر.
إقرأ أيضاً: مديرة الشؤون الاجتماعية في إدلب: 2026 عام العودة وطي صفحة المخيمات