أسماك مستوردة تضغط على مربي سهل الغاب.. خسائر النفوق وكساد الأسواق

يواجه مربو الأسماك في سهل الغاب بريف حماة موسمًا صعبًا، مع تراجع القدرة على تسويق الإنتاج المحلي بالتزامن مع دخول شحنات من الأسماك المجمدة المستوردة، ولا سيما المصرية، بأسعار تقل عن كلفة تربية الأصناف المحلية. وتفاقمت الضغوط هذا العام بسبب موجة نفوق طالت أسماك الكارب في عدد كبير من المزارع، وفق شهادات مربين ومسؤولين قابلتهم «عنب بلدي».

ويطالب المربون بتنظيم الاستيراد وتأجيل دخول الأسماك المجمدة خلال فترة ذروة الإنتاج المحلي، بينما رفعت الهيئة العامة للثروة السمكية مقترحًا إلى إدارتها لبحث وقف استيراد أسماك المياه العذبة، الكارب والمشط، مؤقتًا بين بداية أيلول ونهاية كانون الثاني.

أسعار المستورد تقلص هامش المنتج المحلي

قال رئيس رابطة مزارعي الأسماك في سهل الغاب، علاء رمضان سعيد، إن مشكلة تسويق الإنتاج المحلي تتكرر سنويًا مع بدء موسم القطاف، الذي يمتد من منتصف أيلول حتى مطلع العام الجديد، إذ تتزامن هذه الفترة مع تدفق شحنات من الأسماك المجمدة المستوردة إلى الأسواق، وعلى رأسها السمك المصري.

وأوضح سعيد أن سعر الكيلوغرام من السمك المصري المستورد يتراوح بين 1.5 ودولارين، وهو ما يعادل ربع إلى نصف التكلفة الفعلية لإنتاج السمك المحلي، بحسب تقديره. وأضاف أن هذا الفارق السعري يضغط على أسعار الأسماك الطازجة المنتجة في المزارع السورية، ويدفع المربين أحيانًا إلى البيع بخسارة.

ويعتمد المربون في سهل الغاب على تربية أصناف مشابهة للمستوردة، أبرزها الكارب والمشط، باستخدام المياه الجوفية والطاقة الشمسية. وتبلغ كلفة إنتاج الطن الواحد، وفق سعيد، بين 3000 و4000 دولار، في ظل عدم توفر أعلاف مدعومة أو تسهيلات حكومية.

وأكد رئيس الرابطة أن مطلب المربين لا يتمثل في وقف الاستيراد نهائيًا، بل في تنظيمه وتأجيل دخول شحنات الأسماك المصرية والمجمدة خلال أشهر الذروة المحلية، بما يتيح تصريف الإنتاج. ولفت إلى أن هذه الإجراءات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى مئات العائلات والمربين الذين عادوا مؤخرًا من المخيمات، واستدانوا لإعادة تأهيل مزارع تضررت أو تراجعت جاهزيتها.

نفوق واسع للكارب وتراجع زراعة المشط

إلى جانب أزمة التسويق، واجهت المزارع هذا الموسم خسائر بسبب موجة نفوق وأمراض أصابت أسماك الكارب. وقال المزارع سالم خالد حج قدور إن نسبة النفوق بلغت نحو 70% في معظم المزارع، بينما نفقت الأسماك بالكامل في بعض الأحواض، وتراوحت الخسائر في مزارع أخرى بين 50 و70%.

وأضاف قدور أن مزرعته لم تتضرر مباشرة من موجة النفوق، لكنه وصف الخسائر التي لحقت بالمربين عمومًا بأنها كبيرة، مشيرًا إلى أن آثارها باتت معروفة على نطاق واسع بين العاملين في القطاع.

وأوضح أن الإنتاج في المنطقة يتركز على الكارب والمشط، وكان المشط يشكل سابقًا النسبة الأكبر من الإنتاج بسبب غزارته في الأحواض. وبحسب قدور، ينتج الحوض البالغ 20 دونمًا بين 5 و6 أطنان من الكارب، وقد يصل إنتاجه إلى 10 أطنان في ظروف العناية القصوى، في حين يتراوح إنتاج الحوض نفسه من أسماك المشط بين 30 و35 طنًا.

لكن منافسة الأسماك المستوردة دفعت المربين إلى تقليص زراعة المشط هذا العام، وفق قدور. وأشار إلى أن السمك المصري أغرق الأسواق خلال الموسم الماضي، وانخفض سعر الكيلوغرام حينها إلى ما بين دولار ودولارين، وهو سعر لا يغطي تكاليف الإنتاج المحلية، بحسب قوله.

كلفة التشغيل ترتفع والمزارع تعمل بجزء من طاقتها

تواجه المزارع أيضًا أعباء تشغيلية متزايدة، إذ قال قدور إن أسعار الأعلاف والمازوت تشكل ضغطًا إضافيًا على المربين. ويضطر أصحاب المزارع إلى تشغيل مولدات ومحركات تعمل بالمازوت ليلًا لضخ المياه وتأمين الأكسجين في ظل غياب الكهرباء، بينما يعتمدون على الطاقة الشمسية خلال النهار.

ورغم التطور الذي شهدته تقنيات تربية الأسماك مقارنة بالمراحل الأولى، يرى قدور أن غياب الحوافز والدعم يحد من قدرة المربين على توسيع نشاطهم أو زيادة إنتاجهم.

وأشار إلى أن تدفق الأسماك المستوردة يتزامن عادة مع بدء موسم البيع المحلي في الأول من أيلول، ما يؤدي إلى ركود في السوق وتراجع الأسعار وحركة التصريف. ولفت إلى أن المربين الذين كانوا يبيعون أطنانًا يوميًا باتوا يواجهون صعوبة في تصريف طن واحد، وقد يتعذر ذلك في بعض الأحيان.

وبحسب قدور، كان القطاع يستفيد سابقًا من بعض أشكال الدعم، مثل توفير رخص للأعلاف والمازوت بأسعار مخفضة، وتأجير آليات لحفر القنوات والمصارف المائية وتعزيلها. أما حاليًا، فيتحمل المربون تكاليف تنظيف المصارف المحاذية لمزارعهم على نفقتهم الخاصة، وفق قوله.

المشط يحتاج إلى تصريف سريع قبل الشتاء

تزداد الضغوط على مربي أسماك المشط مع اقتراب الشتاء، إذ أوضح قدور أن هذا النوع لا يتحمل انخفاض درجات حرارة المياه، ما يفرض على المربين تصريف إنتاجهم قبل حلول الطقس البارد، حتى لو كان البيع بسعر لا يحقق ربحًا.

وأضاف أن الحفاظ على أسماك المشط خلال الشتاء يتطلب ضخ مياه جوفية دافئة على مدار الساعة، وهو ما يرفع تكاليف التشغيل إلى مستويات يصعب على المربين تحملها، خصوصًا في ظل تراجع الأسعار.

وحذر قدور من أن استمرار تدفق الأسماك المستوردة لا ينعكس على المزارعين وحدهم، بل يمتد إلى العمال والمفرخات وموردي الأعلاف، الذين قال إن أعمالهم تأثرت وتكبدوا خسائر كبيرة. كما اعتبر أن الاستيراد يؤدي إلى خروج العملة الصعبة من البلاد لصالح فئة محدودة من التجار، بحسب تقديره.

وقال إن عددًا من المزارع بات يعمل بما يتراوح بين 20 و25% فقط من طاقته الإنتاجية، فيما لجأ بعض المربين إلى تقليص نشاطهم أو إيقاف التغذية والعمل خلال الشتاء، تفاديًا لمزيد من الخسائر أو الإفلاس.

مقترح لتعليق استيراد الكارب والمشط

من جهته، قال مدير فرع الهيئة العامة للثروة السمكية في حماة، الدكتور حسين يوسف حسين، إن الهيئة لا تعارض استيراد الأسماك من حيث المبدأ، نظرًا إلى أن الإنتاج المحلي لا يغطي كامل احتياجات السوق، ولإتاحة الأسماك للمستهلكين بأسعار مناسبة.

وأوضح حسين أن فرع الهيئة رفع كتابًا رسميًا صادرًا عن رابطة مزارعي الأسماك إلى المدير العام للهيئة، يتضمن مقترحًا لمخاطبة وزارة الزراعة بهدف وقف استيراد أسماك المياه العذبة، وتحديدًا الكارب والمشط، بصورة مؤقتة خلال فترة ذروة الإنتاج المحلي، الممتدة من بداية أيلول حتى نهاية كانون الثاني.

وبيّن أن المقترح يهدف إلى مساعدة المربين على تسويق إنتاجهم وتحقيق إيرادات تتناسب مع ارتفاع تكاليف التربية، ولا سيما بعد الخسائر التي لحقت بالمزارع جراء الموجة المرضية، ومع عودة مزارعين مؤخرًا لإعادة تأهيل مزارعهم.

وبحسب حسين، يُفترض أن يُعاد فتح باب الاستيراد بصورة طبيعية بعد انتهاء الفترة المقترحة، بما يحقق توازنًا بين حماية الإنتاج المحلي وتلبية احتياجات السوق.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.