من دمشق لبيروت.. 114 كيلومتراً بتكاليف خيالية ورحلة تحت رحمة السماسرة
تحوّلت رحلة السفر القصيرة بين دمشق وبيروت، والتي لا تتجاوز مسافتها 114 كيلومتراً وتستغرق بضع ساعات، من زيارة يسيرة أشبه بنزهة إلى مهمة شاقة ومكلفة للغاية عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. ورغم زوال الحواجز الأمنية السابقة على الطريق، بات السوريون يواجهون شروط دخول معقدة ومتطلبات مالية مرتفعة تُثقل كاهلهم.
سوق موازٍ وشبكات وساطة على الحدود
أدى تشديد إجراءات الدخول عند الحدود اللبنانية إلى بروز دور محوري لمكاتب السفر والوسطاء، الذين استغلوا التعقيدات الإدارية لفرض واقع جديد على المسافرين. ونقلت شبكة “يورونيوز” عن سائق يعمل على خط سوريا-لبنان فضّل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أن هناك سوقاً موازياً نشأ بوجود شبكة تضم مكاتب سياحية ومعقبي معاملات ووسطاء ينشطون بين دمشق وبيروت لتقديم حلول جاهزة لتسهيل العبور مقابل مبالغ مالية متفاوتة.
وأوضح المصدر ذاته في حديثه لـ “يورونيوز” أنه رغم انسيابية الطريق نحو معبر “جديدة يابوس” بعد اختفاء حواجز الفرقة الرابعة والمفارز الأمنية وما كان يرافقها من ابتزاز، إلا أن المعاناة الحقيقية تبدأ عند الوصول إلى الجانب اللبناني.
وأشار إلى أنه رغم كون الرسوم الرسمية لدى الأمن العام اللبناني لا تتعدى 75 دولاراً، إلا أن التكلفة الفعلية تزيد بشكل كبير بسبب اضطرار المسافرين لدفع مبالغ إضافية كـ “رشاوى” لتجاوز شروط مثل إثبات حيازة مبلغ نقدي أو تقديم حجز فندقي وتذكرة طيران.
تكاليف الإقامة ورسوم الخدمات المأجورة
تختلف مبالغ الدخول المبرمة عبر الوسطاء بحسب مدة الإقامة ونوعها؛ حيث تبلغ تكلفة إقامة 48 ساعة نحو 180 دولاراً، وتصل إقامة الأسبوع إلى 260 دولاراً، بينما تبلغ تكلفة الشهر 400 دولار. أما إقامة السنة فتبلغ نحو 4700 دولار، في حين أن إقامة الستة أشهر البالغ تكلفتها 1500 دولار متوقفة حالياً. وتتطلب هذه المعاملات التزاماً شديداً بالسرية من قبل المسافر وعدم الكشف عن دور السائق في الترتيبات تجنباً لتوقيفه، كما يتم تسليم وثائق السفر لكفيل أو وكيل الشركة في حال الدخول ضمن “الجروبات السياحية” لحين المغادرة، باستثناء الحاصلين على “الوثيقة الحرة”.
ولا تسلم الفئات المفترض تمتعها بتسهيلات من هذه الأعباء؛ إذ يُفرض على حاملي البطاقات النقابية والسجلات التجارية من الفئة الأولى وحاملي التأشيرات الإلكترونية دفع 60 دولاراً تحت بند “بدل خدمات مأجورة” وسط فترات انتظار طويلة وإقامات محدودة بـ 15 يوماً للتجار و24 ساعة لمسافري الترانزيت. وحذر السائق في تصريحاته لـ “يورونيوز” من التخلف عن مدة الإقامة، موضحاً أن التأخير لمدة شهر يترتب عليه غرامة بقيمة 60 دولاراً مع منع من الدخول لمدة عام، بينما ترتفع الغرامة إلى 270 دولاراً في حال مخالفة إقامة الستة أشهر وتزداد كلما زادت مدة التأخير.
ارتفاع أجور النقل وتضرر الطرقات
انعكس تضرر الطرقات وإغلاق بعض المعابر الحدودية بشكل مباشر على كلفة التنقل بين البلدين؛ حيث تبلغ أجرة السيارة الخاصة من دمشق إلى بيروت نحو 100 دولار للاتجاه الواحد أي 200 دولار ذهاباً وإياباً لمسافة 250 كيلومتراً لكل اتجاه.
وتصل أجرة الرحلة من اللاذقية إلى بيروت إلى 250 دولاراً للاتجاه الواحد أي 500 دولار للرحلة الكاملة لمسافة 800 كيلومتر بالاتجاهين، وذلك بسبب إغلاق معبري الدبوسية والعريضة واضطرار السيارات لسلوك طريق أطول يمر عبر حمص والقصير والهرمل وصولاً إلى العاصمة اللبنانية، فضلاً عن اقتصار معبر جسر قمار على المشاة فقط جراء الغارات الإسرائيلية التي سبقت سقوط النظام.
تراجع حركة السفر ومطالبات بالتسهيل
تسببت هذه القيود والارتفاع الحاد في التكاليف بتراجع كبير في حركة التنقل؛ مما اضطر السائقين إلى تنفيذ رحلات خاصة براكب أو راكبين فقط. ويطالب العاملون في قطاع النقل بتسهيل إجراءات العبور واستعادة التسهيلات التي كانت متبعة قبل عام 2014 حين كان يحق للسوري الدخول بموجب الهوية أو جواز السفر لإقامة تصل إلى ستة أشهر، بما يسهم في إنعاش قطاعي النقل والسياحة.
في المقابل، تُرجع السلطات اللبنانية هذه الإجراءات المشددة إلى ضرورة ضبط الحدود والحد من العمالة غير النظامية ومنع موجات نزوح جديدة في ظل حساسيات الملف الحدودي بين البلدين.
اقرأ أيضاً:شبكات التهريب على الحدود اللبنانية السورية: تحولات المسارات والمخاطر الأمنية والاقتصادية
اقرأ أيضاً:نقل معبر المصنع: اتفاق لبناني سوري لتعزيز حماية الحدود ومواجهة داعش والتهريب