بذار القمح في سوريا.. مخزون للموسم وكلفة متصاعدة تكشف ضعف المنظومة الزراعية

تدخل سوريا موسم زراعة القمح الجديد بكمية إنتاج أفضل من مواسم السنوات الماضية، لكن الطريق من الحبوب المخزنة إلى البذار الجاهز للزراعة ما يزال محمّلاً بعقبات تكشف هشاشة المنظومة الزراعية. فالمشكلة لم تعد في إنتاج القمح وحده، بل في قدرة المؤسسات الحكومية على تخزين البذار وتجهيزه وتمويله ونقله إلى المزارعين في الوقت المناسب، وبكلفة لا تزيد أعباء موسم مثقل أصلاً بالتكاليف.

وقال المدير العام لمؤسسة إكثار البذار، عمار المحمد، إن اختيار الأصناف يجري وفق “الخريطة الصنفية” المعتمدة من الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية، بما يتناسب مع طبيعة المناطق الزراعية. ويبدأ توزيع البذار مع انطلاق موسم الزراعة في تشرين الثاني ويستمر حتى نهاية شباط، وفق الخطة الإنتاجية لوزارة الزراعة.

بذار مطابق.. لكن الطريق إليه مكلف

تخضع الكميات لعمليات غربلة وتعقيم وتعبئة وفحص وفق نظام “ISTA”، بهدف استبعاد بذور الأعشاب والحبوب الضامرة والمكسورة والمواد الغريبة، قبل طرحها للمزارعين. كما تستخدم المؤسسة معقمات فطرية وعمليات معالجة مختلفة لحماية البذار من الأمراض.

لكن هذه الإجراءات الفنية لا تجري في فراغ؛ فالمؤسسة تواجه نقصاً في المستودعات، وتتحمل كلفة الكهرباء بالسعر التجاري، إضافة إلى أجور نقل البذار إلى مناطق التوزيع وتكاليف المبيدات ومواد التجهيز. وهكذا يتحول تأمين البذار من عملية زراعية يفترض أن تدعمها الدولة إلى سلسلة من النفقات التي تتراكم قبل أن تصل الحبة إلى الأرض.

ويبرز التمويل كحلقة أخرى في هذه السلسلة. إذ دعا المحمد إلى إعادة تفعيل المصارف الزراعية في المحافظات، وإصدار التراخيص الزراعية في وقت أبكر، واعتماد القروض قبل بدء الزراعة، مع تحويل قيمتها مباشرة إلى حساب المؤسسة بدلاً من اضطرارها إلى الاقتراض وتحمل فوائد تزيد كلفة الإنتاج.

وفرة القمح لا تكفي

تبدو المفارقة أوضح مع إعلان وزارة الزراعة أن المساحة المزروعة بالقمح خلال موسم 2026 بلغت نحو 1.4 مليون هكتار، وأن الإنتاج المتوقع تجاوز ثلاثة ملايين طن، في حين أعلنت المؤسسة السورية للحبوب تسلم نحو 2.75 مليون طن، مقابل احتياج محلي مقدر بنحو 2.55 مليون طن.

هذه الأرقام تمنح الحكومة الانتقالية مساحة للحديث عن تحسن الإنتاج، لكنها لا تخفي الأسئلة المتعلقة بما يحدث قبل الموسم التالي. فزيادة الإنتاج لا تعني تلقائياً وجود منظومة قادرة على حفظ البذار وتوزيعه بكفاءة، ولا تعالج نقص المستودعات أو ارتفاع كلفة الطاقة والنقل أو بطء أدوات التمويل.

كما أن الاعتماد الكبير على الأمطار يجعل الإنتاج المقبل مرتبطاً بعامل لا تملكه المؤسسات الحكومية، فيما تبقى مسؤوليتها الأساسية تأمين ما يمكن التحكم به: البذار، التمويل، التجهيز، التخزين، والنقل.

موسم جديد بأعباء قديمة

تقول المؤسسة إنها بدأت التخطيط للموسم المقبل تحسباً لزيادة الطلب، لكن بقاء مشكلات البنية التخزينية والتمويلية دون معالجة جذرية يجعل التخطيط نفسه عرضة للاختناق عند التنفيذ.

فالأمن الغذائي لا يقاس بكمية القمح التي جرى حصادها فقط، بل بقدرة الدولة على حماية دورة الإنتاج كاملة من البذار حتى الحصاد. وما لم تنتقل الحكومة الانتقالية من إدارة المواسم إلى بناء منظومة زراعية مستقرة، فإن كل موسم سيظل رهناً بالأمطار من جهة، وبقدرة مؤسسات مترهلة ومكلفة على اللحاق باحتياجات المزارعين من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: مستحقات القمح في سوريا تتأخر.. الفلاح يدخل الموسم الجديد بلا ثمن محصوله

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.