التضخم في سوريا 2010-2025.. دراسة رسمية تكشف اقتصاداً أنهكته الحرب وتضع الحكومة أمام اختبار الإصلاح
لم يعد التضخم في سوريا مجرد مؤشر اقتصادي يتغير مع نشرات الأسعار، بل أصبح مرآة لانهيار طويل أصاب بنية الاقتصاد وأعاد تشكيل الحياة اليومية للسوريين. فبعد خمسة عشر عاماً من الحرب والانكماش وتآكل الإنتاج، تكشف أول دراسة شاملة تصدرها هيئة التخطيط والإحصاء أن البلاد انتقلت من تضخم محدود إلى تضخم هيكلي مزمن، تغذيه العملة المنهكة، وضعف الإنتاج، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، في وقت ما تزال فيه قدرة السياسات الحكومية على كبح الأسعار محدودة.
الغذاء أول الضحايا… والأسرة السورية تدفع الثمن
تعتمد الدراسة على الرقم القياسي لأسعار المستهلك منذ عام 2010، وتظهر أن الغذاء بقي المحرك الأكبر للتضخم، مستحوذاً على نحو 40% من سلة إنفاق الأسرة السورية، يليه السكن والطاقة ثم النقل.
هذا التوزع يكشف أن أي صدمة في أسعار الوقود أو سعر الصرف تتحول سريعاً إلى ارتفاع في أسعار الغذاء والخدمات، لتصل آثارها مباشرة إلى معيشة المواطنين، وهو ما يفسر استمرار تراجع القوة الشرائية رغم أي تحسن نسبي في بعض المؤشرات الاقتصادية.
سبع مراحل… من الاستقرار إلى الانهيار
تقسم الدراسة مسار التضخم إلى سبع مراحل بدأت باستقرار نسبي قبل عام 2011، قبل أن يتحول الاقتصاد تدريجياً إلى موجات متتالية من التضخم بفعل الحرب، وتراجع الإنتاج، وانهيار سعر صرف الليرة، واتساع فجوة العرض والطلب.
وتوضح البيانات أن العلاقة بين سعر الصرف والأسعار بقيت الأكثر تأثيراً طوال سنوات الأزمة، فيما توسعت دائرة التضخم لتشمل الغذاء والطاقة والنقل والخدمات، لتتحول من أزمة مؤقتة إلى خلل اقتصادي هيكلي يصعب احتواؤه بإجراءات قصيرة الأجل.
2025… تصحيح مؤقت لا تعافٍ حقيقي
ورغم تسجيل عام 2025 تراجعاً نسبياً في وتيرة ارتفاع الأسعار خلال النصف الأول من العام، إلا أن الدراسة تحذر من اعتبار ذلك بداية استقرار اقتصادي.
فالتحسن ارتبط بتخفيف بعض الاختناقات في سلاسل التوريد وتراجع سعر الصرف خلال جزء من السنة، قبل أن تعود الأسعار إلى الارتفاع في الربع الأخير، ما يؤكد أن الاقتصاد ما يزال شديد الحساسية لأي اضطراب داخلي أو خارجي.
أما القراءة الأولية لعام 2026 فتشير إلى أن الحرب الإقليمية الأخيرة أعادت إشعال الضغوط التضخمية، مع ارتفاع أسعار عدد من السلع بنحو 30% خلال فترة قصيرة، بالتزامن مع زيادة تكاليف النقل والشحن والتأمين، واستمرار تراجع قيمة الليرة.
اختبار الحكومة الانتقالية
تكشف الدراسة، بصورة غير مباشرة، حجم التحديات التي تواجه الحكومة السورية الانتقالية، إذ إن السيطرة على التضخم لم تعد مرتبطة فقط بالسياسة النقدية، بل بإعادة تشغيل عجلة الإنتاج، واستقرار سعر الصرف، وتحسين بيئة الاستثمار، وإصلاح منظومة الطاقة والنقل، وضبط الإنفاق العام.
ورغم اتخاذ الحكومة عدداً من الإجراءات، بينها تعديل العملة وزيادة الرواتب، تشير الدراسة إلى أن أثر هذه الخطوات بقي محدوداً أمام تسارع الأسعار، إذ سرعان ما امتص التضخم الزيادات الممنوحة، بينما استمرت تكاليف المعيشة في الارتفاع بوتيرة تفوق نمو الدخول.
أول قاعدة بيانات اقتصادية منذ سنوات
ويرى اختصاصيون أن أهمية الدراسة لا تكمن في أرقامها فحسب، بل في كونها أول سلسلة زمنية رسمية متكاملة للتضخم منذ سنوات، بعد مرحلة طويلة اعتمد فيها الباحثون على تقديرات المنظمات الدولية ومراكز الأبحاث.
وتوفر الدراسة قاعدة بيانات تسمح ببناء نماذج اقتصادية أكثر دقة، كما تمثل اعترافاً رسمياً بجملة من الاختلالات التي رافقت الاقتصاد السوري، مثل انهيار سلاسل الإمداد، واتساع السوق غير النظامية، وضعف أثر سياسات الدعم والأجور في حماية القوة الشرائية.
وبينما ترسم الدراسة صورة دقيقة لمسار التضخم خلال خمسة عشر عاماً، فإنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً أكبر: هل تمتلك الحكومة السورية الانتقالية الأدوات الكفيلة بتحويل هذه البيانات إلى سياسات إصلاحية فعلية؟ فتوثيق الأزمة يمثل خطوة مهمة، لكن استعادة الاستقرار الاقتصادي ستبقى رهناً بقدرة المؤسسات على كسر الحلقة التي تربط تراجع الإنتاج، وانخفاض قيمة العملة، واستمرار ارتفاع الأسعار، وهي الحلقة التي لا تزال تحكم المشهد الاقتصادي السوري حتى اليوم.
اقرأ أيضاً: التضخم وخنق الليرة يفاقمان معاناة السوريين وسط غلاء غير منضبط