أسعار الصرف في سوريا: لماذا تواصل الليرة السورية الهبوط أمام الدولار؟
تشهد أسعار الصرف في سوريا حالة من عدم الاستقرار والتقلب المستمر، وتجلى هذا المشهد بوضوح منذ مطلع شهر أيار/مايو الحالي؛ حيث سجلت العملة المحلية انخفاضاً متواصلاً في السوق السوداء ليتجاوز سعر صرف الدولار حاجز 13,900 ليرة سورية (قديمة).
وفي المقابل، يحاول مصرف سوريا المركزي الحفاظ على أسعار صرف رسمية ثابتة؛ إذ حدد سعر الصرف عند 11,250 ليرة (قديمة) للشراء و11,350 ليرة للبيع، في حين بلغ السعر بالفئة الجديدة 112.50 ليرة للشراء و113.50 ليرة للبيع.
أسباب عدم استقرار الليرة السورية أمام الدولار
يرى الخبراء والمستشارون الاقتصاديون أن أزمة تراجع قيمة الليرة السورية تعود إلى تشابك عدة عوامل داخلية وخارجية، أبرزها:
1. التضخم العالمي وارتفاع تكاليف الاستيراد
أوضح المستشار الاقتصادي في وزارة الاقتصاد والصناعة، أسامة القاضي، أن التضخم العالمي ألقى بظلاله على السوق المحلية. وكمثال على ذلك:
-
قفزت أسعار أسمدة “اليوريا” بنسبة %60، وارتفعت عموم الأسمدة عالمياً بنسبة تجاوزت %30.
-
تزايد الطلب الداخلي على القطع الأجنبي لتغطية استيراد السلع الأساسية والمواد الحيوية مثل الطاقة والأعلاف والنفط (الذي ارتفعت تكلفة استيراده بنسبة %60)، مما أدى إلى زيادة فاتورة الإنفاق الحكومي وضغط إضافي على الدولار.
2. مشاكل البنية التحتية والمنظومة المصرفية
أشار القاضي إلى وجود عقبات هيكلية تؤخر تعافي العملة، ومنها:
-
عدم اكتمال البنية التحتية المصرفية وتأخر عملية استبدال العملة.
-
تجميد الأرصدة المودعة في الفترة ما قبل أيار 2025 وغياب التنسيق بين البنوك للدفع الإلكتروني، مما أضعف ثقة المواطن بالمصارف.
-
عدم ربط المصارف السورية بمنظومة “سويفت” (SWIFT) العالمية حتى الآن، ما يؤخر دخول الاستثمارات الأجنبية والتحويلات المالية بالقطع الأجنبي.
3. تداعيات الأزمات الجيوسياسية الإقليمية
من جهته، ذكر نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية، محمد الحلاق، والخبير الاقتصادي غازي المهايني، أن التوترات الإقليمية -وخاصة تبعات الحرب الإيرانية الأميركية والاضطرابات في بحر العرب- أدت إلى:
-
تراجع ملحوظ في حجم حوالات المغتربين السوريين القادمة من الخليج.
-
توقف حركة الطيران والسفر من وإلى سوريا، مما تسبب في شح معروض الدولار الأمريكي في السوق المحلية.
السياسات النقدية للمصرف المركزي: تجفيف السيولة تحت المجهر
انتقد خبراء ماليون السياسات المتبعة من قِبل إدارة مصرف سوريا المركزي الحالية والسابقة:
-
حبس السيولة: وصف الخبير الاقتصادي، عمار اليوسف، سياسة تثبيت سعر الصرف عبر حبس السيولة وتجفيف العملة الوطنية بـ”المدمرة للاقتصاد”، كونها تلجم الحركة التجارية وتعيق التعافي.
-
غياب الخطط الاستراتيجية: واعتبر الخبير غازي المهايني أن قرارات المركزي السابقة كانت مجرد “إجراءات طوارئ إسعافية وارتجالية” تخفي أعراض المشكلة ولا تعالج جذورها.
-
حصر الحوالات بالليرة: أشار الخبير المالي، خلدون الطباع، إلى أن قرار حصر تسليم الحوالات الخارجية بالليرة السورية بالسعر الرسمي (مع هامش ربح %15) أسهم في إضعاف الثقة بالعملة المحلية، نظراً لكون التسعيرة الرسمية تظل أقل من قيمتها في السوق السوداء.
سعر صرف الدولار في سوريا: حقيقي أم وهمي؟
تفاوتت آراء المحللين حول حقيقة الأرقام المتداولة في السوق:
وضع الخبراء والمستشارون الاقتصاديون خارطة طريق واضحة للخروج من الأزمة الحالية وتثبيت سعر الصرف، وتتخلص في النقاط التالية:
-
تطوير المنظومة المالية: الإسراع في استكمال البنية التحتية المصرفية، تفعيل المحافظ الإلكترونية، ونشر آلات السحب الآلي لاستعادة الثقة بالبنوك.
-
الانضمام للمنظومة الدولية: السعي الجاد للالتحاق بشبكة “سويفت” لتسهيل تدفق القطع الأجنبي وحوالات الشركات.
-
دعم الإنتاج المحلي: تحفيز القطاعين الزراعي والصناعي لزيادة الصادرات، وتحريك عجلة النمو الاقتصادي كبديل للاستيراد.
-
توحيد سوق الصرف: العمل على تقليص الفجوة تدريجياً بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، وحصر التعامل بالعملات الأجنبية عبر القنوات المرخصة فقط، مع إيقاف طباعة العملة لتمويل عجز الموازنة.
اقرأ أيضاً:أسواق دمشق في عيد الأضحى: صدمة سعرية غير مسبوقة وتحول التسوق إلى طقوس للمشاهدة
اقرأ أيضاً:أسعار الصرف قبل عيد الأضحى: الليرة تحت ضغط الاستيراد المزدوج والقمح يستنزف الدولار