مصدر عسكري: استبعاد دمج وحدات حماية المرأة بالكامل في الجيش
تشهد قضية “وحدات حماية المرأة” التابعة لقوات سوريا الديمقراطية تطورات متسارعة تعكس تعقيد المشهدين العسكري والسياسي في سوريا، في ظل مساعي الدولة لإعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية ضمن إطار وطني موحد بعد سنوات من الصراع.
ويكتسب هذا الملف حساسية خاصة نظرًا لطبيعة هذه الوحدات التنظيمية وطابعها الأيديولوجي، إلى جانب دورها البارز خلال السنوات الماضية ضمن “قسد”.
وتتداخل في هذا الملف اعتبارات سياسية وعسكرية داخلية وخارجية، ما يجعل مسألة دمج هذه الوحدات أو إعادة هيكلتها تتجاوز البعد التنظيمي، لتصل إلى مستوى تحديد شكل المؤسسة العسكرية السورية مستقبلاً، وطبيعة العلاقة بين المركزية والخصوصية داخلها.
مقترح لإعادة الهيكلة بدل الدمج الكامل
وفق مصدر عسكري سوري نقل عنه موقع الترا سوريا، فإن المقترح المطروح حالياً لا يتجه نحو دمج كامل لوحدات حماية المرأة ضمن الجيش السوري، بل يقوم على إعادة هيكلتها عبر تقسيمها إلى عدة فروع.
وبموجب هذا الطرح، يُدمج الجزء الأكبر منها ضمن وزارة الداخلية السورية، في حين يُخصص جزء آخر للقيام بمهام دفاعية أقرب إلى وحدات التدخل السريع.
ويشير المصدر إلى أن الانتشار الأمني لهذه الوحدات سيكون داخل المدن تحت إشراف وزارة الداخلية، بينما تتولى التشكيلات ذات الطابع الدفاعي مهام في مناطق شرق سوريا، مع احتمال مشاركتها في جبهات مثل حلب.
ويأتي هذا التوجه في سياق تصريحات مرتبطة بمتابعة تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 بشأن دمج “قسد” في مؤسسات الدولة، حيث تم التأكيد على عدم دمج الوحدات بالكامل ضمن الجيش، ما فتح الباب أمام صيغ بديلة توازن بين الحفاظ على خصوصيتها وإدماجها مؤسساتياً.
وبحسب المصدر ذاته، فإن الاجتماع الأخير بين قيادة الوحدات ووزير الدفاع لم يكن إيجابياً بشكل كامل، ما يعكس استمرار الخلافات حول مستقبل هذه الوحدات وآليات دمجها.
تداعيات سياسية بين الداخل والخارج
يرى الباحث السياسي أنس شواخ في حديثه لموقع “الترا سوريا” أن تداعيات هذا الملف تنقسم إلى مسارين داخلي وخارجي. على الصعيد الداخلي، يؤثر الملف بشكل مباشر على تنفيذ بنود اتفاق 29 كانون الثاني/يناير بين “قسد” والحكومة السورية، إذ يُعد من أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين، وأي تعثر فيه قد ينعكس سلباً على مجمل مسار الاتفاق.
أما خارجياً، فيرجّح أن تسعى قوات سوريا الديمقراطية إلى استخدام هذا الملف كورقة ضغط للحصول على مكاسب إضافية في عملية الدمج، سواء على مستوى المناصب أو الامتيازات الإدارية، مع إمكانية طرح القضية عبر القنوات الدولية، خاصة في سياق الحديث عن قضايا تتعلق بالتمييز القائم على النوع الاجتماعي.
ويضيف شواخ أن وحدات حماية المرأة تمتلك مكانة تنظيمية وأيديولوجية خاصة، ترتبط بفكر عبد الله أوجلان، ما قد يساهم في تعقيد مسار التفاهمات، ويزيد من احتمالات التوتر إذا استمر التعثر في التوصل إلى حلول توافقية.
كما أشار إلى أن الحكومة السورية تعتمد نهج التفاوض مع مكونات “قسد” بشكل منفصل، ما يضعف القدرة التفاوضية لهذه الوحدات ويزيد من الضغط عليها.
ويرجّح أن يؤدي رفض دمج هذه الوحدات ككتلة مستقلة إلى تقليص دورها العسكري، مع حصر مشاركتها ضمن إطار الانتساب الفردي إلى الجيش أو الأجهزة الأمنية، مثل الشرطة النسائية التابعة لوزارة الداخلية، مع احتمال منح بعض المناصب لقياداتها.
كما طرح احتمالين بديلين قد يتم التوصل إليهما، يتمثل الأول في دمجها ضمن تشكيلات الشرطة النسائية، والثاني في إدماجها ضمن وحدات مكافحة الإرهاب قيد إعادة الهيكلة.
إشكاليات عسكرية وعقائدية معقدة
من جانبه، اعتبر العميد والباحث العسكري مصطفى الفرحات أن تعثر دمج وحدات حماية المرأة لا يمكن اعتباره فشلاً بحد ذاته، بل هو جزء من تعقيدات المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا في مسار إعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة.
وأوضح أن هذه الوحدات نشأت ضمن سياق مختلف عن الجيوش النظامية، حيث تقوم على بنية أيديولوجية وتنظيمية خاصة، ما يجعل مسألة دمجها مرتبطة ليس فقط بالجوانب الإدارية، بل أيضاً بالعقيدة العسكرية.
وأشار إلى أن أي جيش وطني يحتاج إلى عقيدة موحدة وتسلسل قيادي مركزي، وهو ما يختلف عن طبيعة هذه الوحدات التي نشأت ضمن بيئة فصائلية ذات قدر من الاستقلالية في اتخاذ القرار.
وأضاف أن التحدي لا يقتصر على العدد أو الهيكل التنظيمي، بل يشمل التوازن بين الخصوصية والمركزية، خاصة أن لهذه الوحدات طابعاً نسوياً ورمزياً في بيئتها الحاضنة، في مقابل توجه الدولة نحو بناء جيش موحد دون تشكيلات موازية. كما لفت إلى أن ملف القيادة والتسلسل القيادي يُعد من أكثر الملفات تعقيداً، في ظل وجود رتب غير متوافقة مع النظام العسكري التقليدي وقيادات ميدانية نشأت خارج الأطر الأكاديمية.
وأكد الفرحات أن البعد الدولي والسياسي يلعب دوراً أساسياً في هذا الملف، نظراً لارتباط هذه الوحدات ضمن منظومة لها علاقات خارجية وتأثيرات سياسية، ما يستدعي حذراً في عملية الدمج. وختم بأن ما يجري لا يعكس رفضاً لوجود هذه الوحدات، بل محاولة لإدماجها ضمن إطار وطني شامل دون نقل الطابع الفصائلي إلى داخل مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تمثل مرحلة إعادة هيكلة وفرز ضرورية لبناء جيش مهني موحد، في ظل تطورات متسارعة داخل وزارة الدفاع والهيئة الاستشارية التي تعمل على دعم هذه العملية.
اقرأ أيضاً:نتائج انتخابات مجلس الشعب السوري: تمثيل المرأة لا يتجاوز 3%!
اقرأ أيضاً:التلغراف: وحدات حماية المرأة السورية تتحدى ضغوط الحكومة الانتقالية وتتمسك بسلاحها