الاستثمارات الأوروبية في سوريا بعد سقوط النظام: حذر غربي وتمركز في قطاعات ريعية
رغم مرور أكثر من عام على سقوط النظام السابق، لا يزال الغرب يتعامل بحذر مع الدعوات السورية لفتح باب الاستثمار وإعادة الإعمار. فباستثناء بعض الشركات الأميركية العاملة في قطاع الطاقة، لم تُسجَّل حتى الآن عودة أوروبية واسعة إلى السوق السورية، وسط استمرار تصنيف البلاد كبيئة “غير آمنة” للاستثمار.
وتشير مؤشرات الاستثمار الأولية إلى وجود مسارين رئيسيين:
1- تمركز الاستثمارات المعلَن عنها ضمن تكتل يضم قطر وتركيا والسعودية والولايات المتحدة.
2- تركّز المشاريع في قطاعات الطاقة والعقارات والنقل، مع غياب واضح للاستثمارات الإنتاجية الصناعية.
استثمارات ذات طابع سياسي وريعي:
بحسب باحث اقتصادي مقيم في لندن، فإن الاستثمار في سوريا حالياً “يحمل بعدين: سياسي وريعي”، موضحاً أن البيئة الاقتصادية لا تزال غير جاذبة للاستثمارات الإنتاجية التقليدية.
فالاستثمارات الأميركية الأخيرة، على سبيل المثال، تركزت في النفط والغاز، وهي قطاعات مغرية بطبيعتها، لكنها جاءت أيضاً نتيجة قرار سياسي. وينطبق الأمر ذاته على بعض العقود المحدودة التي أُبرمت مع شركات أوروبية، حيث غلب البعد السياسي على الاعتبارات الاقتصادية البحتة.
كما تشير معلومات إلى احتمال عودة شركة «غولف ساند» لاستئناف عقودها النفطية المتوقفة منذ اندلاع الحرب، إلا أن ذلك لم يترافق حتى الآن مع إعلان عن مشاريع إنتاجية أوروبية واسعة في الصناعة أو الزراعة أو التكنولوجيا.
ويرى الباحث أن منح امتيازات احتكارية قد يكون أحد العوامل التي تدفع شركات أوروبية للدخول بقوة إلى السوق السورية مستقبلاً.
العلاقات الاقتصادية بين سوريا والاتحاد الأوروبي قبل الحرب:
خلال العقد الأول من الألفية، حافظت سوريا على علاقات تجارية قوية مع الاتحاد الأوروبي، وكادت توقّع اتفاقية شراكة شاملة قبل أن يتم تأجيلها، ثم تجميدها مع اندلاع الحرب.
في عام 2010: بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى سوريا 4.536 مليارات دولار (26% من إجمالي المستوردات السورية).
بلغت واردات الاتحاد الأوروبي من سوريا 4.573 مليارات دولار (37% من إجمالي الصادرات السورية).
وتصدرت كل من إيطاليا وألمانيا وفرنسا قائمة الشركاء التجاريين الأوروبيين.
أبرز الاستثمارات الأوروبية في سوريا قبل 2011:
رغم أن عدد المشاريع الأوروبية لم يكن كبيراً، إلا أنها تركزت في قطاعات إنتاجية مهمة، منها:
1- استثمارات نفطية لشركات مثل «شِل» و«غولف ساند».
2- مشروع إنتاج الجبنة المطبوخة لشركة «بل» الفرنسية.
3- مشروع صناعي لشركة «نستله» السويسرية.
4- إعادة تأهيل معمل الورق في دير الزور من قبل شركة «فيمبكس» النمساوية.
5- مشروع إسمنت لشركة «لافارج» الفرنسية دخل حيّز الإنتاج عام 2010.
كما شهدت البلاد زيادة في أعداد السياح الأوروبيين، خاصة من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا حتى نهاية 2010.
قطيعة الحرب وتراجع المبادلات التجارية:
مع اندلاع الحرب وفرض العقوبات الغربية، تراجعت العلاقات الاقتصادية بشكل حاد. وبحلول عام 2022:
1- لم تتجاوز مستوردات سوريا من الاتحاد الأوروبي 9% من مستواها المسجل عام 2010.
2- لم تتجاوز الصادرات السورية إلى الاتحاد 0.6% من مستويات ما قبل الحرب.
ورغم التحول السياسي نهاية 2024 والترحيب الأوروبي به، فإن عودة الاستثمارات الأوروبية الإنتاجية لا تزال محدودة، فيما بدأت المبادلات التجارية تشهد تحسناً تدريجياً مع تخفيف العقوبات وفتح باب الاستيراد.
أولوية أوروبية: ملف اللاجئين قبل الاقتصاد:
بحسب ناشط في المجتمع المدني، فإن الوفود الأوروبية التي زارت سوريا مؤخراً تركّز على ملف اللاجئين كأولوية أولى، قبل الانتقال إلى بحث التعاون الاقتصادي.
وتتمثل أولويتان أوروبيتان أساسيتان في:
1- إعادة اللاجئين غير المرغوب بهم إلى سوريا.
2- منع تدفق موجات لجوء جديدة في ظل المخاوف من عدم الاستقرار الأمني.
ويرى مراقبون أن استمرار التوترات الأمنية والاقتصادية قد يعيق جذب استثمارات أوروبية كبيرة، خاصة في القطاعات الإنتاجية طويلة الأمد.
هل تعود الاستثمارات الأوروبية إلى سوريا؟
يبقى مستقبل الاستثمار الأوروبي في سوريا مرتبطاً بعدة عوامل:
1- استقرار الوضع الأمني والسياسي.
2- وضوح الإطار القانوني وضمانات المستثمرين.
3- استمرار رفع العقوبات.
4- طبيعة التفاهمات السياسية بين دمشق والعواصم الأوروبية.
حتى الآن، تشير المؤشرات إلى أن الاستثمار في سوريا ما يزال يميل نحو القطاعات الريعية والسياسية الحساسة، فيما تبقى الاستثمارات الإنتاجية الأوروبية بانتظار بيئة أكثر استقراراً ووضوحاً.
إقرأ أيضاً: الاستثمارات في سوريا بعد 2024: هل تقود العقود الجديدة إلى انتعاش اقتصادي حقيقي؟
إقرأ أيضاً: انسحاب «شل» من حقل العمر النفطي في سوريا يثير تساؤلات حول مستقبل الاستثمار الأجنبي