موسم القمح في الجزيرة السورية مهدد بالفشل: ضعف إنبات البذار يفاقم أزمة الأمن الغذائي
يواجه موسم القمح في منطقة الجزيرة شمال شرقي سوريا خطر الفشل، بعد تصاعد شكاوى المزارعين من ضعف أو شبه انعدام إنبات البذار الموزعة ضمن خطة الدعم الزراعي لهذا العام. وتُعد الجزيرة تاريخياً الخزان الاستراتيجي للقمح في البلاد، إذ كانت تنتج نحو 60% من إجمالي القمح السوري قبل عام 2011، وتضم أكثر من 63% من الأراضي القابلة للزراعة، وفق بيانات رسمية سابقة.
نسب إنبات متدنية تهدد المحصول:
بحسب إفادات ميدانية متطابقة جمعتها “العربي الجديد”، بدأت المشكلة تتكشف بعد نحو ثلاثة أسابيع من الزراعة، حين لاحظ المزارعون وجود مساحات واسعة غير منبتة، رغم تحسن معدلات الأمطار هذا الموسم مقارنة بالسنوات السابقة. وتراوحت نسب الإنبات بين 3% و30% في أفضل الحالات، وهي أرقام تعني عملياً فقدان الجدوى الاقتصادية للمحصول، إذ لن تغطي الكميات المتوقعة حتى تكاليف الحصاد.
وتشير التقديرات إلى أن ضعف الإنبات قد يكون مرتبطاً بسوء تخزين البذار، أو تجاوز المدة الزمنية المسموح بها، أو تعرضها للرطوبة والحرارة، إضافة إلى احتمال وجود إصابات حشرية أو خلط بين الأصناف، ما ينعكس سلباً على تجانس النمو وقوة المحصول.
تراجع إنتاج القمح في سورية وارتفاع الاستيراد:
تأتي هذه الأزمة في سياق تراجع إنتاج القمح في سوريا خلال سنوات الحرب. ووفق تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة لعام 2025، انخفض الإنتاج من نحو 4.1 ملايين طن قبل عام 2011 إلى حوالى 1.15 مليون طن في موسم 2025 – 2026، أي بتراجع يقارب 72%.
في المقابل، ارتفعت واردات القمح إلى نحو 3 ملايين طن سنوياً، بكلفة تتراوح بين 1.2 و1.5 مليار دولار، ما يجعل أي تراجع إضافي في الإنتاج المحلي تهديداً مباشراً للأمن الغذائي وأسعار الطحين والخبز في البلاد.
دعم البذار في الجزيرة… سعر مخفض وجودة محل شك:
بدأ مزارعو الجزيرة الموسم الحالي وسط وعود من الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بدعم المدخلات الزراعية. وضمن خطة الدعم، وزعت هيئة الزراعة بذار القمح بسعر 350 دولاراً للطن، مقارنة بنحو 450 دولاراً للطن غير المدعوم في السوق.
غير أن هذا الفارق السعري لم ينعكس إيجاباً على الإنتاج، بحسب شهادات مزارعين أكدوا أن البذار الموزعة تعاني ضعفاً في الجودة، ما أدى إلى نسب إنبات متدنية وخسائر واسعة في الحقول.
خسائر مالية وديون متراكمة على المزارعين:
تكبد المزارعون تكاليف مرتفعة تشمل الحراثة والأسمدة والري والمحروقات، فيما اضطر كثيرون إلى الاستدانة لتغطية نفقات الموسم. وأكد عدد منهم أن ضعف الإنبات حوّل الموسم إلى عبء مالي ثقيل، خاصة مع صعوبة إعادة الزراعة بعد فوات المواعيد المثلى.
كما أشار مزارعون في أرياف الحسكة والقامشلي والقحطانية إلى أن بعضهم اضطر إلى قلب الأرض مجدداً، رغم عدم ملاءمة التوقيت، ما ضاعف الخسائر.
أزمة مازوت زراعي تضاعف التكاليف:
تفاقمت الأزمة مع الخلل في توزيع المازوت الزراعي، إذ اشتكى مزارعون من تأخر التسليم رغم الإعلان عن توزيع 195 مليون لتر. واضطر كثيرون إلى شراء الوقود من السوق الحرة بسعر يقارب 5600 ليرة سورية للتر، مقابل 1150 ليرة للسعر المدعوم، ما أدى إلى استنزاف السيولة في مرحلة الري الأولى الحساسة.
مطالب بتعويضات وإصلاح آليات الرقابة:
أمام هذا الواقع، يطالب المزارعون بلجان تقييم ميدانية شفافة وتعويضات عادلة لا تقتصر على توزيع بذار بديلة، بل تشمل تكاليف الحراثة والأسمدة والمحروقات وضياع موسم كامل.
ويرى مختصون أن حماية ما تبقى من موسم القمح في الجزيرة تتطلب مراجعة شاملة لآليات توريد البذار وتخزينها واختبارها قبل توزيعها، ووضع معايير صارمة لضمان الجودة، باعتبار البذار المدخل الأساسي لاستقرار الإنتاج وتعزيز الأمن الغذائي في سورية.
إقرأ أيضاً: القرض الحسن لموسم القمح في دير الزور يفشل في جذب المزارعين
إقرأ أيضاً: دمشق وموسكو تبحثان توريد القمح الروسي: عروض جديدة لدعم رغيف الخبز