جدل واسع حول تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي بشأن تغطية الليرة بالذهب

أثار حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، موجة واسعة من الجدل في الأوساط الاقتصادية والقانونية السورية، عقب تصريحات اعتبرها خبراء منفصلة عن الواقع النقدي، خاصة ما يتعلق بادعائه أن الكتلة النقدية السورية مغطاة بنسبة 100% بالذهب.

وجاء الجدل بعد إعلان الحصرية أن القيمة التقديرية لاحتياطي الذهب لدى المصرف المركزي تجاوزت 42 تريليون ليرة سورية، أي ما يعادل تقريباً حجم الكتلة النقدية المتداولة، مستنداً إلى الارتفاع العالمي في أسعار الذهب.

توقيت حساس مع تداول الليرة الجديدة:

تزامنت هذه التصريحات مع بدء التداول بـ الليرة السورية الجديدة بعد حذف صفرين من العملة، في خطوة رسمية وُصفت بأنها تهدف إلى تسهيل التعاملات النقدية والإيحاء بدخول مرحلة استقرار مالي.

وأكد الحصرية في تصريح لتلفزيون سوريا الحكومي أن احتياطي الذهب يبلغ نحو 26 طناً، وهو رقم شبه ثابت منذ عقود، ما فجّر انتقادات واسعة شككت في الأساس المحاسبي والقانوني لاحتساب هذا الاحتياطي كغطاء كامل للعملة.

خبراء: الارتفاع العالمي للذهب لا يبرر زيادة التغطية:

اعتبرت الباحثة الاقتصادية الدكتورة رشا سيروب أن هذا الطرح يصطدم مباشرة مع قانون النقد الأساسي رقم 23 لعام 2002، مؤكدة أن القانون لا يسمح بتأويل سياسي لمفاهيم التغطية النقدية.

وأوضحت أن المادة 21 من القانون تمنع إصدار أي عملة جديدة دون زيادة فعلية في موجودات المصرف المركزي، مشددة على أن ارتفاع سعر الذهب عالمياً لا يُعد زيادة حقيقية في الأصول.

كما لفتت إلى أن المادة 23 تُلزم المصرف بتسجيل الذهب بسعر الكلفة أو سعر السوق أيهما أقل، التزاماً بمبدأ الحيطة والحذر، ما يمنع تضخيم الميزانيات بأرباح دفترية ناتجة عن تقلبات الأسعار.

وأكدت أن الحديث عن تحسن التغطية اعتماداً على إعادة تقييم الذهب فقط يفتقر إلى السند القانوني والمحاسبي ويقوّض مصداقية البيانات الرسمية.

خبير مصرفي: خطأ استراتيجي وتضليل نقدي:

من جهته، وصف الخبير الاقتصادي والمصرفي عامر شهدا تصريحات الحصرية بأنها خطأ استراتيجي فادح، مشيراً إلى أن المرسوم رقم 293 الخاص باستبدال العملة خلا من أي نص يربط الليرة السورية بمعيار الذهب.

وتساءل عن مدى اعتراف المؤسسات المالية الدولية بهذا الغطاء المزعوم، مؤكداً أن العملات المغطاة بالذهب فعلياً تتيح تحويلها إلى ذهب عند الطلب، وهو أمر غير متحقق في الحالة السورية.

وأوضح شهدا أن احتياطي الذهب السوري، المستقر عند نحو 26 طناً منذ عام 1946، لا تتجاوز قيمته الفعلية 336 مليار ليرة سورية وفق حسابات دقيقة، أي أقل من 1% من الكتلة النقدية المقدرة بـ42 تريليون ليرة، ما يكشف فجوة هائلة بين الواقع والتصريحات الرسمية.

التغطية الذهبية لا تصنع عملة قوية:

بدوره، رأى المستشار السابق لشؤون السيولة والنقد في وزارة الاقتصاد جورج خزام أن الجدل يعكس تبسيطاً خطيراً لمفاهيم الاقتصاد النقدي، مشيراً إلى أن الذهب المجمّد في خزائن المصرف المركزي لا يشكل غطاءً حقيقياً للعملة طالما أنه غير قابل للتسييل الفوري ولا يدعم العرض السلعي في السوق.

وأوضح أن القوة الحقيقية للعملة تكمن في الإنتاج الوطني، وليس في أصول جامدة، محذراً من تجاهل الثقة العامة التي تآكلت بفعل القيود على السحب المصرفي وتجميد الودائع.

واعتبر أن تحميل المواطنين كلفة التضخم مع الحديث عن فائض في التغطية الذهبية يمثل توزيعاً غير عادل للخسائر ويقوّض ما تبقى من الثقة بالنظام المصرفي.

غياب الشفافية وملف الاحتياطي الأجنبي:

من جانبه، أشار الباحث الاقتصادي محمد علبي إلى أن المصرف المركزي يتجنب الإفصاح عن حجم احتياطي القطع الأجنبي، وهو المؤشر الأهم في السياسة النقدية، معتمداً على الذهب كـ”شماعة إعلامية” لتغطية العجز البنيوي.

وأوضح أن الذهب ليس أداة تدخل فعالة في سوق الصرف، وأن أي تسييل محتمل سيكون محدود الأثر أمام فجوة الطلب الهائلة على الدولار، الناتجة عن تراجع الإنتاج والاعتماد على الاستيراد.

واعتبر أن ما يسمى بالاستقرار النقدي الحالي ليس سوى جفاف سيولة متعمّد يخفي ضغوطاً تضخمية مؤجلة، محذراً من انفجارها في أي لحظة.

الاقتصاد السوري أمام مفترق طرق:

يعكس التضارب الحاد بين الرواية الرسمية والتحليل العلمي أزمة عميقة في إدارة السياسة النقدية السورية، حيث يجمع الخبراء على أن قوة العملة لا تُبنى على الذهب المخزّن، بل على:

1- الإنتاج الحقيقي

2- سيادة القانون

3- الشفافية المحاسبية

4- ثقة المواطنين

ويرى محللون أن تصريحات حاكم المصرف المركزي تمثل محاولة لامتصاص الغضب الشعبي وتهدئة الأسواق بأرقام متفائلة، دون معالجة جوهرية للأزمة البنيوية، ما يزيد تعقيد المشهد المالي في اقتصاد لم يعد يحتمل المزيد من التجارب النقدية غير المدروسة.

إقرأ أيضاً: تأخر صرف رواتب المتقاعدين في سوريا يكشف أزمة مالية ومصرفية عميقة

إقرأ أيضاً: تصاعد الاضطراب الأمني في دير الزور: حرائق آبار نفط وإفراج مثير للجدل يعيدان أسئلة الاستقرار والعدالة

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.