ارتفاع أسعار الأدوية في سوريا يفاقم معاناة المرضى… ووزارة الصحة تكشف خطة لضبط التسعير
مع الارتفاع المستمر في أسعار الأدوية في سوريا، تتزايد معاناة المرضى، ولا سيما أصحاب الأمراض المزمنة والمتقاعدين، حيث بات تأمين العلاج اليومي يشكل تحدياً حقيقياً يفوق القدرة المادية لشريحة واسعة من المواطنين.
ويعزو مختصون هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، أبرزها زيادة تكاليف المواد الأولية المستوردة، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف التشغيل، ما أدى إلى فجوة واضحة بين أسعار الأدوية والدخل الشهري للمواطن.
وفي هذا السياق، كشفت وزارة الصحة السورية عن خطة استراتيجية تهدف إلى تطبيق تسعير أكثر عدالة للأدوية، وتعزيز التصنيع الدوائي المحلي، وتحسين سلاسل التوريد والتوزيع، بما يضمن توفر الأدوية الأساسية والمزمنة ورفع جودتها وفق المعايير العالمية.
تفاوت أسعار الأدوية وتراجع القدرة الشرائية:
يشكو مواطنون من تضاعف أسعار بعض الأدوية خلال فترات قصيرة، في حين يؤكد صيادلة أن الأسعار لم تشهد زيادات كبيرة مؤخراً، إلا أن تراجع القوة الشرائية جعلها تبدو مرتفعة بشكل غير مسبوق.
ويقول سالم سعيد، موظف متقاعد من ريف دمشق، إن أسعار أدوية القلب التي وُصفت له تتجاوز قيمة راتبه التقاعدي، ما اضطره لشراء دواء واحد فقط شهرياً.
بدورها، أوضحت ميادة مزيك، وهي متقاعدة منذ 15 عاماً، أنها اضطرت للتوقف عن تناول أدوية السكري بعد أن تجاوزت تكلفتها الشهرية مليون ليرة سورية، ما دفعها للبحث عن بدائل عبر الإنترنت رغم عدم فعاليتها، مؤكدة أن ذلك جاء نتيجة العجز وليس الخيار.
من جهته، أشار الصيدلاني عدنان نحاس إلى أن أسعار الأدوية السورية شبه مستقرة، إلا أنها تبدو مرتفعة نتيجة انخفاض الدخل، ولكنها تقارب أسعار دول الجوار، مع وجود تفاوت كبير بين شركات مختلفة ضمن الزمرة الدوائية نفسها، قد يصل أحياناً إلى الضعف.
أسباب ارتفاع أسعار الأدوية في سوريا:
تعود أسباب ارتفاع أسعار الأدوية إلى مجموعة عوامل مترابطة، أبرزها:
1- زيادة تكلفة المواد الفعالة المستوردة
2- ارتفاع أسعار مواد التغليف
3- تقلبات سعر الصرف وتراجع قيمة الليرة
4- ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والأيدي العاملة
وأكد مدير الرقابة الدوائية والمشرف العام على منظومة الدواء في وزارة الصحة، الدكتور هاني بغدادي، لصحيفة “الثورة” السورية أن مطالبة الوزارة للمعامل بتحسين جودة المواد الأولية ومصادرها ينعكس أحياناً على التكاليف والأسعار، إضافة إلى الأعباء التشغيلية وانقطاعات الإمداد التي تؤدي إلى نقص بعض الأصناف وارتفاع أسعارها نتيجة قلة العرض.
الأدوية المزمنة والنوعية… العبء الأكبر على المرضى:
يشكل ارتفاع أسعار الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة تحدياً صحياً واقتصادياً كبيراً، نظراً لاعتماد المرضى عليها لفترات طويلة.
وأوضح بغدادي أن الأدوية المزمنة غير النوعية تُصنّع محلياً، في حين أن الأدوية المزمنة النوعية تُستورد من الخارج، وهي أدوية عالية التكلفة تستهدف أمراضاً معقدة مثل:
1- أدوية السرطان الحديثة
2- الأدوية البيولوجية والمناعية
3- أدوية التصلب الروماتيزمي الشديد
4- أدوية الأمراض النادرة
5- مثبطات المناعة
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار هذه الأدوية يعود إلى تعقيد تقنيات تصنيعها، وارتفاع أسعارها في بلد المنشأ، إضافة إلى محدودية عدد الشركات المستوردة ومتطلبات النقل والتخزين الدقيقة، ما يقلل المنافسة ويرفع التكلفة النهائية على المريض.
دراسة حكومية لتسعير أكثر عدالة للأدوية:
في ظل الضغوط المتزايدة على المواطنين، تعمل وزارة الصحة على دراسة منهجية لتخفيض تكلفة الأدوية، مع التأكيد على أن أي تخفيض يجب أن يكون مدروساً لتجنب توقف تصنيع بعض الأصناف محلياً وتهديد الأمن الدوائي.
وأكد بغدادي أن الوزارة بصدد مراجعة آلية تسعير جديدة تعتمد على التكلفة الحقيقية، مع إعطاء أولوية لحماية الأدوية الأساسية والمزمنة.
كما أوضح أن تعزيز التصنيع المحلي يمثل خياراً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتخفيف أثر تقلبات العملة، وفتح باب المنافسة، إضافة إلى العمل على توطين الصناعات الدوائية النوعية كحل مستدام لخفض الأسعار.
الشراء الذكي والحد من التهريب:
وأشار بغدادي إلى أن الوزارة تركز حالياً على آليات الشراء الذكي من خلال عقود مركزية ومناقصات لتأمين أدوية الأمراض المزمنة وبعض الأدوية النوعية، إضافة إلى:
1- تقليل الهدر
2- مكافحة تهريب الأدوية
3- تحسين سلاسل التوريد والتوزيع
وذلك بهدف ضمان استقرار الأسعار ومنع الانقطاعات التي تؤدي إلى ارتفاعها بشكل غير مباشر.
الرقابة الدوائية وجودة الأدوية السورية:
تعد الرقابة الدوائية إحدى الركائز الأساسية لضمان سلامة وجودة الأدوية في السوق السورية. وأوضح بغدادي أن الرقابة تعتمد على معايير وطنية مستمدة من المواصفات العالمية، وتشمل:
1- تحاليل مخبرية داخلية وخارجية
2- فحص عينات من الأسواق
3- تحليل كل دفعة من الأدوية الحساسة
4- دراسات ثباتية وفق شروط الحرارة والرطوبة
وأكد أن الهدف هو رفع جودة الأدوية السورية بما يتوافق مع المعايير العالمية، ما يسهم في توسيع آفاق التصدير.
تصدير الأدوية السورية:
كشف بغدادي أن الأدوية السورية تُصدَّر حالياً إلى 23 دولة، وتشمل أكثر من 1250 صنفاً دوائياً، مع وجود خطة طويلة الأمد للوصول إلى المستوى الثالث (ML3) وفق معايير منظمة الصحة العالمية.
ويعني هذا التصنيف أن نظام الرقابة الدوائية في سوريا يُعد ناضجاً ومستقراً ومتكاملاً، وقادراً على ضمان جودة وسلامة وفعالية الأدوية، ما يعزز الثقة الدولية، ويفتح أسواقاً جديدة للتصدير، ويقوي الأمن الدوائي الوطني.
إقرأ أيضاً: ارتفاع أسعار الأدوية يدفع السوريين إلى الطب البديل: أزمة صحية واقتصادية متفاقمة
إقرأ أيضاً: البطالة في سوريا تتجاوز 60% والاقتصاديون يطالبون بخطط استثمارية عاجلة