تأسيس “ناس سوريا”: شراكة طيران سعودية – سورية تثير جدل الجدوى والسيادة الاقتصادية
في خطوة وُصفت بالاستراتيجية، شهدت العاصمة السورية دمشق توقيع مذكرة تفاهم بين شركة “طيران ناس” السعودية وهيئة الطيران المدني السوري، تهدف إلى تأسيس وتشغيل شركة طيران اقتصادي جديدة تحت اسم “ناس سوريا”، في تطور يعكس تحوّلًا لافتًا في خارطة الاستثمارات الإقليمية داخل سوريا.
وجاءت هذه الاتفاقية كإحدى أبرز مخرجات الزيارة الرسمية التي أجراها وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح إلى دمشق، على رأس وفد اقتصادي رفيع المستوى، والتي أسفرت عن توقيع نحو 80 اتفاقية استثمارية بقيمة إجمالية تقارب 40 مليار ريال سعودي (10.6 مليارات دولار)، شملت قطاعات الطيران، والاتصالات، والبنية التحتية.
انفراجة لقطاع الطيران أم تحدٍ اقتصادي؟
في ظاهرها، تمثل هذه الخطوة انفراجة مهمة لقطاع النقل الجوي السوري الذي يعاني منذ سنوات من العزلة والعقوبات وتراجع الأسطول، إلا أن تحليلات اقتصادية متخصصة بدأت تطرح تساؤلات جوهرية حول الجدوى الاستراتيجية لهذه الشراكة، وتأثيرها المحتمل على الميزان التجاري والسيادة المالية في المدى المتوسط والطويل.
وبحسب بنود الاتفاق، جرى تأسيس المشروع بصيغة شركة مشتركة تمتلك فيها “طيران ناس” 49%، مقابل 51% لهيئة الطيران المدني السوري، ما يمنح الشركة الجديدة صفة “الناقل المحلي” من الناحية القانونية والتشغيلية.
خسائر محتملة في رسوم الترانزيت:
ويرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن هذا التحول من كيان أجنبي إلى كيان محلي، رغم جاذبيته الاستثمارية، قد يؤدي إلى خسائر مباشرة في عائدات رسوم الترانزيت الدولي التي تُحصّل عادة بالعملة الصعبة.
وأوضح الكريم، في منشور على منصة “فيسبوك”، أن تصنيف “ناس سوريا” كشركة محلية يعني خروج رحلاتها من إطار الرحلات الدولية العابرة، ما قد يؤدي إلى تراجع التدفقات النقدية الأجنبية، التي تشكل عنصرًا حيويًا في اقتصاد يعاني من شح مزمن في القطع الأجنبي.
فقدان الغطاء الدولي والمصرفي:
وأشار الكريم إلى أن الشركات الأجنبية العاملة بصفة خارجية غالبًا ما تمتلك غطاءً دبلوماسيًا وقانونيًا من دولها الأم، يساعدها على تجاوز بعض قيود العقوبات أو التفاوض حولها، وهو ما قد تفقده “ناس سوريا” بوصفها كيانًا محليًا خاضعًا بالكامل للبيئة القانونية والسياسية السورية.
وأضاف أن التحول إلى شركة محلية قد يؤدي أيضًا إلى إغلاق قنوات التواصل المصرفي الدولي، إذ إن وجود شريك أجنبي خارجي كان يفرض تمرير الأرباح والمعاملات عبر النظام المالي العالمي، بينما سيؤدي هذا التحول إلى حصر العمليات المالية داخل النظام المصرفي السوري المعزول، ما يحدّ من مرونة الشركة وقدرتها على التمويل والمناورة.
مخاوف من استنزاف رأس المال المحلي:
كما حذر الكريم من أن تسجيل الشركة وفق قانون الشركات رقم 29 قد يدفع رجال الأعمال السوريين إلى ضخ رؤوس أموالهم في قطاع عالي المخاطر وبطيء العوائد مثل الطيران، بدل توجيهها نحو قطاعات إنتاجية أو تصديرية أكثر قدرة على تحسين الميزان التجاري وتحقيق نمو مستدام.
ولفت إلى ما وصفه بـ “وهم الملكية”، موضحًا أن صفة “الناقل المحلي” لا تعني بالضرورة بناء أسطول وطني مملوك، إذ تعتمد معظم شركات الطيران الاقتصادي على طائرات مستأجرة، ما يجعل المشروع واجهة تشغيلية أكثر منه قاعدة صناعية راسخة.
مكاسب تشغيلية واستراتيجية محتملة:
في المقابل، لا يستبعد الكريم وجود مكاسب تشغيلية مهمة لهذه الشراكة، إذ تمنح صفة الكيان المحلي “ناس سوريا” مرونة أكبر في تشغيل الرحلات الداخلية بين المحافظات، إضافة إلى الاستفادة من إعفاءات ضريبية ورسوم تفضيلية غالبًا ما تُمنح للناقل الوطني.
كما أن دخول شريك بحجم “طيران ناس” قد يسهم في نقل خبرات تنظيمية وتقنية متقدمة، خصوصًا في مجالات الخدمات الأرضية وإدارة المطارات، ما قد ينعكس إيجابًا على مطارات رئيسية مثل مطار حلب الدولي، ويفتح المجال أمام الوصول إلى وجهات جديدة يصعب على الطيران الحكومي بلوغها منفردًا.
بين الرهان الاستثماري والواقع الاقتصادي:
وفي ختام تحليله، شدد الكريم على أن اتفاقيات الـ40 مليار ريال تمثل رهانًا مشتركًا بين دمشق والرياض على خلق واقع اقتصادي جديد يتجاوز التعقيدات السياسية والعقوبات، إلا أن نجاح هذا الرهان يبقى مرهونًا بقدرة الحكومة السورية على إدارة المخاطر، وضمان الشفافية، وتحقيق توازن حقيقي بين جذب الاستثمار وحماية الموارد الوطنية.
إقرأ أيضاً: تشمل مشاريع استراتيجية كبرى.. تفاصيل الاستثمارات السعودية في سوريا