استثمارات بـ56 مليار دولار في سوريا خلال 2025 تثير تساؤلات حول المصداقية والتنفيذ

أثار الإعلان الرسمي الصادر عن هيئة الاستثمار السورية بشأن تسجيل استثمارات بقيمة تقارب 56 مليار دولار خلال عام 2025 موجة واسعة من التساؤلات في الأوساط الاقتصادية، ليس فقط بسبب ضخامة الرقم مقارنة بواقع الاقتصاد السوري، بل أيضاً بسبب غياب البيانات التفصيلية التي تسمح بالتحقق من طبيعة هذه الاستثمارات ومصادرها ومدى تحولها إلى تدفقات مالية فعلية داخل البلاد.

ويأتي هذا الإعلان في سياق سياسي واقتصادي معقد، تسعى فيه دمشق إلى تسويق مرحلة «انفتاح اقتصادي» جديدة، عقب تخفيف جزئي لبعض القيود المرتبطة بعقوبات “قيصر”، دون أن يرافق ذلك حتى الآن إطار شفاف يوضح آليات احتساب هذه الأرقام أو معايير تسجيلها.

تصريحات رسمية ووعود بعوائد ضخمة:

وعلى هامش مشاركته في القمة العالمية للحكومات 2026، قال رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي إن الاستثمارات المسجلة توزعت على قطاعات الطاقة والبنية التحتية والطيران والمطارات، مشيراً إلى دخول شركات عالمية، مثل دانة غاز وشركات نفطية أميركية، إلى السوق السورية.

وأضاف الهلالي أن العائدات المتوقعة من قطاع النفط وحده قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار سنوياً، في تصريحات عكست تفاؤلاً رسمياً واسعاً، لكنها أعادت إلى الواجهة الفجوة المزمنة بين الاستثمار المسجل والاستثمار المنفذ فعلياً.

فجوة تاريخية بين الأرقام والواقع:

وبحسب بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، لم يتجاوز متوسط تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى سوريا في أفضل أعوام ما قبل 2011 حاجز 5 إلى 6 مليارات دولار سنوياً، في فترة كانت البلاد تتمتع باستقرار نسبي وبنية مصرفية أكثر ارتباطاً بالأسواق الإقليمية والدولية.

وخلال سنوات النزاع، تراجعت هذه التدفقات إلى مستويات شبه معدومة. وفي المقابل، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن دولاً خرجت من نزاعات مسلحة واسعة، مثل العراق، احتاجت إلى أكثر من عقد لاستعادة تدفقات استثمارية سنوية تراوح بين 8 و10 مليارات دولار، رغم امتلاكها موارد نفطية ضخمة واعترافاً دولياً كاملاً بحكوماتها.

تسجيل أم تنفيذ فعلي؟

في هذا السياق، يرى خبراء اقتصاديون أن الإعلان عن تسجيل استثمارات بقيمة 56 مليار دولار خلال عام واحد يفتقر إلى الواقعية الاقتصادية، ما لم يكن المقصود به مذكرات تفاهم أولية أو تعهدات غير ملزمة أو مشاريع ما تزال قيد الدراسة، ولم تتحول بعد إلى إنفاق رأسمالي فعلي.

ويؤكد الخبراء أن الاستثمار الحقيقي يُقاس بدخول الأموال عبر النظام المصرفي، وبدء تنفيذ المشاريع على الأرض، وخلق فرص عمل مستدامة، وليس بمجرد توقيع اتفاقيات أو إدراج أرقام في سجلات رسمية.

غياب الشفافية ومصادر التمويل:

وتزداد الشكوك مع غياب أي إفصاح رسمي حول:

1- مصادر الاستثمارات المعلنة

2- نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر مقابل الاستثمار المحلي

3- حجم التمويل الذي دخل فعلياً إلى سوريا بالعملة الصعبة

ورغم تأكيد هيئة الاستثمار أن الجزء الأكبر من التدفقات يأتي من دول الخليج وتركيا والولايات المتحدة وأوروبا، إلا أن غياب أسماء المشاريع وقيمها والجداول الزمنية لتنفيذها يجعل من الصعب التحقق من جدية هذه الأرقام أو تقييم أثرها الاقتصادي الحقيقي.

أهداف طموحة أم خطاب دعائي؟

كما أثار الإعلان عن نية رفع حجم الاستثمارات الأجنبية إلى 100 مليار دولار خلال عام 2026 انتقادات واسعة، واعتبره اقتصاديون أقرب إلى خطاب سياسي دعائي منه إلى تقدير مبني على مؤشرات سوقية واقعية، في ظل:

1- استمرار القيود المصرفية

2- ضعف البيئة القانونية والتنفيذية

3- تراجع تصنيف سوريا الائتماني إلى أدنى مستوياته عالمياً

وتشير تقارير صادرة عن مؤسسات تصنيف دولية، مثل فيتش وستاندرد آند بورز، إلى أن الاقتصادات التي تعاني من عزلة مصرفية ونقص الضمانات القانونية تواجه صعوبات كبيرة في جذب استثمارات طويلة الأجل.

مخاوف من نموذج نمو هش:

كما يثير التركيز الكبير على قطاع التطوير العقاري، الذي قيل إنه يستحوذ على أكثر من 50% من الاستثمارات المعلنة، مخاوف من إعادة إنتاج نموذج اقتصادي هش لا يخلق قيمة مضافة حقيقية، ولا يعالج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد السوري.

وفي ظل عدم إفصاح هيئة الاستثمار السورية حتى الآن عن آليات احتساب الأرقام، والجداول الزمنية، وطبيعة التزامات المستثمرين، تتعزز حالة الغموض، ما يضعف الثقة بالخطاب الاستثماري الرسمي، ويجعل الأرقام المعلنة محل تشكيك واسع في الأوساط الاقتصادية.

إقرأ أيضاً: استثمارات سعودية بمليارات الدولارات في سوريا: وعود اقتصادية أم رهان سياسي؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.