لا يراها إلا الفقراء: بسطات الهامش قرب أسواق دمشق
على أطراف الأسواق المعروفة في دمشق، وفي الظلال التي لا تلتفت إليها العيون عادة، تنتشر بسطات صغيرة وبضائع متواضعة تشكّل عالمًا اقتصاديًا خاصًا بالفئات الأشد فقرًا. تستفيد هذه البسطات من حركة الزبائن في الأسواق المحيطة، لكنها تعرض سلعًا محدودة القيمة والاستخدام، وغالبًا ما يختصر باعة هذه الأماكن واقعهم بعبارة متداولة: “رزق الفقراء على المعدمين”.
تظهر هذه البسطات قرب أسواق الألبسة ذات الماركات المعروفة، وبجوار المطاعم ومحال الطعام، وعلى الأرصفة وفي الأزقة الضيقة. لا تملك مكانًا ثابتًا ولا محالًا نظامية، حتى إنها تحضر بجانب أسواق الألبسة المستعملة، المعروفة شعبيًا بـ”أسواق الفقراء”، لتؤكد وجود فئات أشد عوزًا من زبائن “البالة”. وفي أسواق الخردة والمفروشات والأحذية، تحجز هذه البسطات أماكنها بخجل، وتفترش الأرض بما يتناسب مع قدرتها المحدودة.
بضاعة محدودة وقيمة رمزية
قد يلفت الانتباه نقاش حاد حول سعر قطعة بسيطة، كأداة قديمة أو مستهلكة. في إحدى البسطات، دار جدل بين بائع وزبون حول سعر مفك براغي قديم ومصدّأ، اختلفا على ألف ليرة فقط. وبنظرة إلى البضائع المعروضة، يتضح أن أغلبها من الأدوات المستعملة بشدة، مثل صحون معدنية متسخة، ألعاب أطفال ممزقة، قطع كهربائية قديمة، مكواة تعمل على الفحم، سجاد مهترئ، أو كرة قدم مثقوبة.
وعلى الرغم من بساطة هذه السلع، يؤكد الباعة وجود زبائن لها، إذ يجد بعض المستهلكين فيها ما يلبّي حاجة آنية أو بديلًا أقل كلفة من شراء الجديد.
طبقات داخل الهامش
في أسواق الخردة، تتجلى الفوارق حتى بين الفئات المعدمة نفسها. فهناك من يستطيع بيع كرسي أو جهاز راديو أو غسالة قديمة، في حين يقتصر عرض الأشد فقرًا على قطع متفرقة من دمى العرض البلاستيكية (المانيكان)، كالأذرع والأرجل، أملاً في أن يحتاجها صاحب محل أو شخص يبحث عن قطعة بديلة.
وفي أسواق الألبسة المستعملة، تنقسم البسطات أيضًا إلى مستويات. فبعض الباعة يمتلكون محال صغيرة ويعرضون بضاعتهم بشكل منظم، بينما يعتمد آخرون على عربات متنقلة تسهل سحبها عند ملاحقة دوريات البلدية، أو يفرشون بضاعتهم مباشرة على الأرض. وتجد زبائن ينقبون بين قطع مهترئة أو متسخة، غالبًا لا تصلح للاستخدام الخارجي، لكنها تُشترى للاستخدام المنزلي فقط.
أحذية مستعملة وأسعار متفاوتة
في سوق الأحذية المستعملة الذي ظهر حديثًا قرب دوار الفحامة، تتكرر الظاهرة نفسها. أحذية أنهكها المشي تُعرض بأسعار منخفضة نسبيًا، وأخرى بحالة أفضل تُباع بأسعار أعلى. ويلاحظ أن الباعة أصحاب البضاعة الأضعف يتجمعون في أطراف السوق، بينما ترتفع الأسعار تدريجيًا كلما تقدم الزائر داخل السوق.
صورة يومية للفقر
في أسواق شعبية أخرى، مثل باب سريجة أو سوق الجمعة، تتجاور مشاهد متناقضة: بائع عظام إلى جانب قصاب، أو مسن يبيع كميات قليلة من مؤونة منزلية بسيطة قرب محال كبيرة. يعرف رواد هذه الأماكن حدود قدرتهم الشرائية، ويتجه كل منهم إلى ما يناسب دخله، في معادلة تقوم على توازن هش بين العرض والطلب.
في هذه الأسواق، يدرك الجميع طبيعة اللعبة: البائع يعرض ما يستطيع الحصول عليه، والمشتري يقتني ما يسمح به دخله، فيما يكتفي المارّة بمراقبة مشهد يعكس جانبًا من الواقع المعيشي القاسي في المدينة. وبين مفك صدئ أو حذاء مستهلك، تتجسد حكايات يومية عن الفقر، ومحاولات البقاء، والبحث عن أي فرصة للرزق.
اقرأ أيضاً:ارتفاع أسعار الألبان والأجبان في أسواق دمشق مع تطبيق التعرفة الكهربائية الجديدة