منصات الربح الإلكتروني في إدلب: احتيال رقمي واسع وتداعيات اجتماعية متزايدة

تحوّل انتشار منصات ما يُعرف بـ“الربح الإلكتروني” في محافظة إدلب، خلال العامين الأخيرين، من حالات فردية محدودة إلى ظاهرة واسعة التأثير، طالت شرائح اجتماعية متعددة، من عمال ونازحين وموظفين، إلى طلاب جامعات وربّات منازل. ومع تكرار التجربة بأسماء ومنصات مختلفة، تتكشف ملامح نمط احتيالي متشابه، خلّف خسائر مالية كبيرة وانعكاسات اجتماعية ونفسية عميقة.

تدرّج في الانتشار وتبدّل الأسماء

بدأت هذه الظاهرة مع تطبيقات مثل Mystbox وTrannlly، ثم توسعت مع منصة DOBIBO عبر وسطاء محليين ومجموعات على تطبيقات التواصل، قبل أن تبلغ ذروتها مع منصة OptCoin، التي تُعد الأكثر انتشارًا من حيث عدد المستخدمين وحجم الخسائر.

وتعتمد هذه المنصات، وفق خبراء، على نموذج احتيالي معروف باسم “مخطط بونزي”، حيث تُدفع الأرباح للمستخدمين الأوائل من أموال المشتركين الجدد، من دون وجود نشاط استثماري حقيقي أو ارتباط فعلي بالأسواق المالية.

خطاب تقني مضلل

قدّمت منصة OptCoin نفسها على أنها منصة تداول تستخدم “بوتات ذكية” قادرة على تحليل الأسواق وتنفيذ الصفقات تلقائيًا، مع وعود بأرباح يومية ثابتة ومخاطر محدودة. ويرى مختصون أن هذا الخطاب التقني يمنح المستخدمين شعورًا زائفًا بالأمان، ويقلل من إدراكهم للمخاطر الفعلية.

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي محمود إسماعيل في تصريح لـ“تلفزيون سوريا” إن المنصة لا تملك أي مؤشرات على ارتباطها بأسواق مالية حقيقية، سواء في مجال الفوركس أو العملات الرقمية، ولا تخضع لأي جهة رقابية معروفة، ولا تمتلك تراخيص رسمية أو عناوين شركات واضحة. وأضاف أن ما يراه المستخدمون ليس سوى أرقام مصممة لإبقائهم داخل المنصة أطول فترة ممكنة.

وأوضح إسماعيل أن الآلية المتّبعة تتكرر في معظم هذه المنصات، حيث يبدأ الأمر بإيداع صغير، يتبعه سحب ناجح لبناء الثقة، ثم يُشجَّع المستخدم على زيادة الإيداع بحجة تحقيق أرباح أعلى، قبل أن تتوقف عمليات السحب بذريعة الصيانة أو التحقق الأمني، تمهيدًا لاختفاء المنصة.

وأشار إلى أن بعض المستخدمين، حتى بعد الشك في مصداقية المنصة، يستمرون في الترويج لها داخل محيطهم الاجتماعي، بدافع الأمل في تعويض خسائرهم، ما يحوّل الضحايا أنفسهم، دون قصد، إلى جزء من شبكة الاستقطاب.

خسائر مالية وتداعيات أسرية

ترافقت الخسائر المالية مع آثار نفسية واجتماعية واسعة، شملت تراكم الديون، والضغط النفسي، وتفكك أسر، ووصول بعض الحالات إلى الطلاق أو أزمات صحية.

هيام (29 عامًا) من ريف إدلب، تقول إنها دخلت هذه المنصات بدافع تحسين الوضع المعيشي، وباعت مصاغها الذهبي وأودعت نحو 1500 دولار في منصة DOBIBO، قبل أن تختفي الأموال. وبعدها، استدانت مبلغًا إضافيًا وأودعته في منصة OptCoin، التي بدت أكثر احترافًا، قبل أن تتوقف هي الأخرى. وتؤكد أن الخسارة لم تكن مالية فقط، بل أدت إلى تفاقم الخلافات الزوجية وانتهت بالطلاق.

أما عبد القادر النجار (33 عامًا) من سلقين، فبدأ بمبلغ صغير في منصة OptCoin ونجح في سحب أرباح أولية، ما شجعه على إيداع مبالغ أكبر، وصولًا إلى بيع منزله الوحيد وإيداع ثمنه في المنصة. ويقول إن إغلاقها المفاجئ تسبب له بصدمة شديدة وأزمة صحية، إضافة إلى خسارة منزله ومدخراته.

سامي (39 عامًا)، موظف في ريف إدلب، اكتشف أن زوجته أودعت مدخرات الأسرة في المنصة دون علمه، بعد وعود بأرباح سريعة. وبعد اختفاء الأموال، انتهى الخلاف بينهما بالطلاق، ويؤكد أن التجربة تركت أثرًا نفسيًا طويل الأمد.

كما تروي أمينة (40 عامًا)، وهي أرملة من إدلب، أنها باعت آخر قطعة من مصاغها الذهبي للاشتراك في إحدى المنصات، ثم استدانت لاحقًا لتعويض الخسارة، قبل أن تتكرر التجربة وتفقد ما تبقى لديها، مؤكدة أنها خسرت المال ومصدر الأمل معًا.

ظاهرة متكررة وتحذيرات

من Mystbox إلى Trannlly وDOBIBO وصولًا إلى OptCoin، تتكرر القصة ذاتها بأسماء مختلفة وواجهات أكثر تطورًا، بينما تبقى النتيجة واحدة: أموال مفقودة، وديون متراكمة، وتداعيات اجتماعية قاسية.

ويحذر مختصون من خطورة استمرار هذه الظاهرة في ظل غياب الرقابة والوعي المالي، مؤكدين ضرورة تعزيز التوعية بمخاطر منصات الربح الوهمي، وتشجيع المواطنين على التحقق من أي نشاط استثماري قبل الانخراط فيه، لتجنب مزيد من الخسائر على المستويين الفردي والمجتمعي.

اقرأ أيضاً:الليرة السورية والليرة التركية تنافس على المصالح يضرب مصالح الناس

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.