سوريا والأقليات: السيطرة على الأرض في مواجهة تفتت المجتمع
يواجه المشهد السوري المعاصر تحولات دراماتيكية أعادت صياغة الأولويات المجتمعية والسياسية بشكل جذري فبعد أن كان النقاش العام في الأشهر الأولى التي تلت سقوط نظام الأسد يتمحور حول هوية الدولة وآليات المشاركة الديمقراطية انتقلت الأسئلة اليوم لتصبح أكثر وجودية وتركز على طبيعة التحالفات الخارجية وبناء قوى الردع المحلية وسبل حماية المكونات من تغول “العشائر والفزعات” حتى لو كان الثمن وحدة الجغرافيا السورية التي بدأت تتنصل منها الأقليات الدينية والعرقية تباعاً وفقاً لما أورده تقرير لـ “اندبندنت عربية”
الصدمات المفصلية وانكشاف ظهر الدولة
رغم الهدوء النسبي الذي ساد عقب سيطرة “هيئة تحرير الشام” على مفاصل البلاد أواخر عام 2024 إلا أن مارس (آذار) 2025 مثل انعطافة دموية كشفت عنها لجان تحقيق متخصصة إثر وقوع مجازر واسعة استهدفت العلويين في الساحل السوري حيث اعتبرت تلك اللحظة رسالة قاسية للمكونات الطائفية مفادها أن الانتماء له ضريبة باهظة في ظل عجز السلطة الجديدة عن لجم آلاف المهاجمين
ولم تكن أحداث الساحل معزولة عن سياق عام شمل حصار وقصف مدينة السويداء في يوليو (تموز) 2025 وارتكاب مجازر جماعية هناك مضافاً إليها تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق ومسجد الإمام علي بحمص وتصاعد حدة الانتهاكات الفردية من سبي واختطاف وإهانة ممنهجة للكرامة الإنسانية
وبحسب الحقوقي فايز سلطان فإن السلطة تعمدت وصف هذه الكوارث بـ “الأحداث المؤسفة” دون إجراء محاكمات حقيقية مما دفع الناس للبحث عن مشاريع حماية ذاتية وتحالفات خارجية كضرورة للبقاء بدلاً من التعويل على دولة فشلت في أن تكون حكماً وتحولت إلى خصم
“قسد” ورهان حلف الأقليات
في ظل الفراغ الأمني وفقدان الثقة بدمشق طرحت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نفسها كشريك استراتيجي وقوة قادرة على حماية الأقليات مستندة إلى خبرتها العسكرية التي تراكمت منذ عام 2014 في محاربة تنظيم “داعش” برعاية أمريكية وامتلاكها لـ “سلة سوريا” الغذائية والنفطية في شرق الفرات أو ما يعرف بإقليم “روج آفا”
ويرى الباحث موفق حليم أن الأقليات وجدت في الخطاب الكردي العابر للطوائف طوق نجاة أمام الخطاب الإقصائي السائد حيث تبلور هذا التوجه في أغسطس (آب) 2025 عبر مؤتمر “وحدة الموقف” بالحسكة الذي كان يهدف لإطلاق “حلف الأقليات” ورغم هجوم وزير الخارجية أسعد الشيباني على المؤتمر إلا أنه نجح في تكريس “قسد” كمرجعية سياسية لمكونات مسيحية وعلوية ودرزية وعشائرية رأت فيها القائد القادر على مواجهة التهديدات المشتركة
التمثيل والوصاية: طموحات “ميكافيلية”
تشير مصادر رفيعة لـ “اندبندنت عربية” إلى أن “قسد” مارست دوراً سياسياً يتجاوز حجمها العسكري حيث وعدت العلويين بعدم التفاوض مع السلطة دون ضمان أمنهم وطرحت مشروعاً لتولي حماية الساحل والجنوب وتحويلهما لمناطق حكم ذاتي مدعومة دولياً
وبحسب القاضي سليم معصراني فإن تفكير “قسد” انصب على مشروع يربط شرق الفرات بالساحل السوري وبالسويداء جنوباً لمحاصرة “سوريا المفيدة” في الداخل وفرض معادلات سياسية جديدة قائمة على توزيع النفوذ والجغرافيا
إلا أن هذا الطموح اصطدم بانتقادات داخلية من شخصيات مثل الشيخ علي حسّان الذي رأى أن “قسد” حاولت احتكار صوت الأقليات دون تفويض كامل
بينما اعتبرت مصادر أخرى أن هذه المكونات وقعت ضحية “تضليل” من قوة أمر واقع كانت تبحث عن أوراق ضغط لتحقيق مشاريعها الخاصة
السقوط الدراماتيكي ومفارقة القوة
رغم ترسانة الأسلحة والقوام العسكري الذي يقدر بـ 100 ألف مقاتل شهد يناير (كانون الثاني) 2026 انهياراً مفاجئاً لمناطق سيطرة “قسد” من شرق حلب وصولاً إلى الرقة ودير الزور
ويوضح الخبير الأمني مصطفى أمين أن هذا السقوط لم يكن عسكرياً بقدر ما كان تراجعاً استراتيجياً تحت ضغط تفاهمات خارجية وخذلان من الحلفاء الدوليين لدرجة أن مناطق محصنة سقطت بسرعة أكبر من سقوط مناطق غير مسلحة في الساحل
ويؤكد المقاتل السابق جميل سراج أن “قسد” لم تخذل حلفاءها بل واجهت ظروفاً أقوى منها مشدداً على أن القائد مظلوم عبدي رفض إغراءات السلطة بمناصب رفيعة متمسكاً بمشروع العدالة والدولة التوافقية الجامعة التي تضمن خصوصية المكونات السورية
مستقبل الصراع: هل انتهت اللعبة؟
بينما يبدو في الظاهر أن مشروع “حلف الأقليات” قد هُزم وأن الدولة المركزية استعادت زمام المبادرة يرى الأكاديمي عيسى درويش أن اللعبة لم تنته بل تغيرت قواعدها لتدار “تحت الطاولة”
ويحذر أستاذ علم الاجتماع منصور ريحان من أن الأسباب التي دفعت الأقليات للاتحاد من خوف وتهميش لا تزال قائمة مما قد يؤدي إلى إعادة تدوير هذه المشاريع مستقبلاً بضغط من قوى إقليمية ودولية
إن ضبط الجغرافيا بالحزم العسكري لا يعني بالضرورة احتواء المجتمع فكما يرى الفلاسفة من ابن خلدون إلى جان جاك روسو فإن الدول تنهار حين تفقد ولاء الأطراف وتفرض الطاعة بالقوة بدلاً من الشراكة وهو ما يضع سوريا أمام مرحلة من الاستقرار الهش الذي قد يخفي في طياته بذور جولات صراع مقبلة إذا لم يتم معالجة “ائتلاف المظلوميات” بشكل جذري وعادل
اقرأ أيضاً:جيروزاليم بوست: واشنطن تنهي رهانها على قسد وتدعم رؤية الشرع لسوريا الموحدة
اقرأ أيضاً:مجازر 2025: 2691 مدنياً قضوا في عمليات تصفية بـ الساحل والسويداء وريف دمشق