تصعيد إسرائيلي في جنوب سوريا رغم مساعي التطبيع: توغّلات واستيطان وتغيير ديموغرافي ناعم
على الرغم من الجهود الأميركية لإحياء المحادثات بين الحكومة الانتقالية في سوريا وحكومة الاحتلال الإسرائيلي، في مسعى لبلورة اتفاق أمني يمهّد لتطبيع العلاقات، تواصل “إسرائيل” فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة في جنوب سوريا، يصعب التراجع عنها في أيّ تسوية مستقبلية.
وفي هذا السياق، شهدت محافظة القنيطرة منذ مطلع كانون الثاني الماضي توغّلات إسرائيلية مكثفة، رافقتها عمليات احتجاز قصيرة، وإقامة حواجز ونقاط تفتيش داخل الأراضي السورية، في مؤشر واضح على توسيع نطاق السيطرة الميدانية.
انتهاكات بيئية تستهدف الزراعة وسبل العيش:
إلى جانب التحركات العسكرية، سُجّلت انتهاكات بيئية خطيرة ذات أثر اقتصادي مباشر، تمثّلت في رش مبيدات سامة من قبل جيش الاحتلال، أدّت إلى إحراق الغطاء النباتي وتدميره على مساحات واسعة.
ورغم تأخر مديرية الزراعة في القنيطرة بإصدار نتائج التحاليل المخبرية للعينات المأخوذة من الأراضي المتضررة، ظهرت آثار الرش سريعًا، حيث لاحظ الأهالي اصفرار الأعشاب وتلف المزروعات.
وبحسب مصدر أهلي تحدث إلى صحيفة «الأخبار»، فإن هذه المبيدات تُلحق أضرارًا مضاعفة، كونها استهدفت أراضي زراعية جرى تجريفها مسبقًا بعد التوغلات الإسرائيلية، ولا سيما محمية جباتا الخشب التي تعرّضت لأعمال تجريف واسعة.
وأشار المصدر إلى أن الهدف من هذه الإجراءات هو منع نمو النباتات على طول الحدود، والتضييق على السكان المحليين الذين يعتمدون على رعي المواشي والمحاصيل الموسمية، ضمن سياسة تهدف إلى التضييق المعيشي والتهجير الناعم.
استهداف البنية التحتية تمهيدًا للتهجير:
ولم يقتصر التصعيد على الزراعة، بل شمل استهدافًا ممنهجًا لخطوط المياه والكهرباء، كما حدث مؤخرًا في الصمدانية الشرقية، ما زاد من الضغوط اليومية على السكان، وقلّص فرص الاستقرار في المنطقة الحدودية.
«روّاد الباشان»: محاولات استيطان في العمق السوري:
بالتوازي مع ذلك، تشهد المنطقة محاولات عبور واستيطان داخل الجنوب السوري من قبل حركة «روّاد الباشان»، وهي مجموعة استيطانية مدعومة سرًا من اليمين الإسرائيلي المتطرف، تشكّلت قبل نحو تسعة أشهر.
وتسعى هذه الحركة إلى إقامة مستوطنة جديدة داخل الأراضي السورية، بزعم أن «الاستيطان في الباشان امتداد طبيعي للاستيطان في الجولان»، وأنه يعزّز «أمن إسرائيل واستقرار المنطقة».
ويُطلق اسم «الباشان» تاريخيًا على منطقة جغرافية تمتد في جنوب سوريا وأجزاء من شمال الأردن، وتشمل مناطق قريبة من هضبة الجولان.
خمس محاولات استيطان منذ آب 2025:
ووفق ما وثقته «الأخبار»، بلغ عدد محاولات العبور والاستيطان خمس مرات، كان آخرها في 29 كانون الثاني الماضي، حين حاول 20 مستوطنًا عبور الحدود من معبر القنيطرة قبل أن تعيدهم قوات الاحتلال.
أما المحاولات الأربع السابقة، التي بدأت في آب 2025، فقد جرت قرب غربي قرية بئر عجم في ريف القنيطرة، وتحديدًا في محيط قريتَي رويحينة وبئر عجم.
كما تشهد المنطقة حفريات منظمة لاستكمال مشروع «صوفا 53»، الذي يُنظر إليه كـ خط دفاعي إسرائيلي متقدم بدأ العمل به منذ عام 2021.
صمت رسمي ودور أممي مثير للجدل:
في مقابل هذا التصعيد، يُسجّل صمت لافت من الجانب السوري الرسمي، ولا سيما وزارة الخارجية، في وقت لم تُحدث فيه وعود قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (يوندوف) أي تغيير ملموس في الواقع الميداني.
بل تشير مصادر مطلعة إلى أن سلوك «يوندوف» بات يتماهى مع محاولات تغيير هوية المنطقة العازلة، لافتة إلى أن القوات الأممية تجاوزت صلاحياتها المنصوص عليها في قرارات مجلس الأمن.
وأوضحت المصادر أن «يوندوف» شرعت في تنقيب وإزالة ألغام لا تدخل ضمن مهامها، خصوصًا على طول الشريط الفاصل، واصفة هذا النشاط بـ «المريب»، لا سيما أنه تزامن مع تقدم المسار السياسي في باريس.
مخاوف من تفاهم غير معلن:
ورجّحت المصادر وجود تفاهم غير معلن قد يفضي إلى التخلي عن خطوط دفاعية مكفولة بالقانون الدولي للجانب السوري، ما ينسجم مع الهدف الإسرائيلي المتمثل في إزالة أي تهديد محتمل وتغيير الخصائص الطبوغرافية لخط الفصل.
اتفاق 1974 وصلاحيات «يوندوف»:
ويُذكر أن اتفاق فصل القوات لعام 1974 لا يسمح لقوات «يوندوف» بتجاوز صلاحياتها دون موافقة الجهة المسيطرة على الأرض أو نص صريح في قرار تمديد ولايتها.
وتتمثل مهمة «يوندوف» الأساسية في مراقبة الوضع وتقييمه ضمن منطقة عملياتها، ويُسمح لها فقط بالتدخل لإزالة الألغام إذا شكّلت خطرًا مباشرًا على قواتها أو أعاقت تحرّك دورياتها.
أما عمليات إزالة الألغام واسعة النطاق لصالح المدنيين، فلا يمكن تنفيذها من دون تنسيق وموافقة الدولة المعنية، ويقتصر دور «يوندوف» فيها على التنسيق لا التنفيذ المباشر.
وفي جميع الأحوال، يبقى الخطر الذي يواجهه المدنيون يوميًا بسبب الحواجز الإسرائيلية القريبة من مواقع انتشار «يوندوف»، أكبر بكثير من المخاطر المحتملة التي قد تتعرض لها قوات المراقبة الدولية.
إقرأ أيضاً: تقارير: السيادة السورية على السويداء: ضوء أخضر أميركي واعتراض إسرائيلي
إقرأ أيضاً: جيش الاحتلال الإسرائيلي ينشر لواء “الحشمونائيم” الحريدي في جنوب سوريا