إعادة هندسة الاقتصاد السوري: تفكيك شبكات النفوذ وصعود نخبة مالية جديدة
منذ إحكام السلطات في دمشق سيطرتها على مفاصل الدولة، اتجهت نحو إعادة هندسة شاملة للاقتصاد السوري، في مسار لا يهدف إلى إنعاش النمو، بقدر ما كان يهدف إلى إنتاج طبقة اقتصادية جديدة موالية للسلطة، تعمل كدرع مالي يضمن حدًا من الاستقرار الداخلي في مرحلة ما بعد الحرب.
وبحسب تقرير معمّق نشره موقع “اقتصادي”، تزامنت هذه الاستراتيجية مع إعادة ضبط موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية، التي لعبت دورًا محوريًا في الاقتصاد السياسي خلال سنوات الصراع.
تحييد النخبة العسكرية القديمة وتفكيك “إمبراطوريات الظل”:
يشير التقرير إلى أن الحكومة السورية شرعت خلال الفترة الأخيرة في تحييد تدريجي لشخصيات عسكرية نافذة، إما عبر إقصاء هادئ أو نقل إلى مناصب شرفية بلا تأثير فعلي، في محاولة لتجنب صدامات داخلية قد تهدد الاستقرار السياسي.
ويأتي ذلك ضمن مخطط أوسع لتفكيك شبكات النفوذ الاقتصادي العسكري التي سيطرت خلال الحرب على قطاعات حيوية مثل الطاقة والنقل والتجارة غير النظامية، والتي تشكلت عبر تحالفات مع رجال أعمال باتوا اليوم تحت ضغط التسويات المالية القسرية.
تسويات انتقائية مع رجال الأعمال:
اعتمدت دمشق سياسة التسويات الانتقائية مع رموز المال، حيث تفاوتت الشروط المفروضة بحسب الوزن الاقتصادي والتشابكات الإقليمية لكل شخصية.
وبينما استعاد بعضهم موقعه الرسمي، مثل محمد حمشو، خضع آخرون لتسويات قاسية شملت اقتطاع ما بين 50 إلى 80% من ثرواتهم، كما حدث مع وسيم قطان وطريف الأخرس وسامر الفوز.
ويشير التقرير إلى أن الدولة لم تكتفِ بالسيطرة على النشاط المحلي، بل سعت للوصول إلى الأصول الخارجية والسيولة المودعة في المصارف الدولية، ما كشف عن فجوات في الخبرة الحكومية بإدارة الانتقال من اقتصاد الحرب إلى نموذج اقتصادي مركزي صارم.
ملف حسام القاطرجي: صراع النفوذ المالي:
يبرز حسام القاطرجي كأحد أكثر الملفات تعقيدًا، إذ تصنّفه السلطات اليوم كطرف “مغضوب عليه”، في إطار تفكيك النواة الاقتصادية الناتجة عن التداخل العسكري-التجاري.
وبحسب “اقتصادي”، دخل القاطرجي في مفاوضات مباشرة مع حازم الشرع، الرجل الأقوى في المشهد المالي الجديد، لكنها انهارت بعد مطالبة القاطرجي بالتنازل عن 70% من ممتلكاته الخارجية مقابل السماح له بالنشاط الداخلي ضمن “شراكة إجبارية” تمنح الشرع حصة الأسد في الإدارة والملكية.
وعقب فشل المفاوضات، غادر القاطرجي إلى بيروت، لتبدأ بعدها سلسلة إجراءات شملت مصادرة شركة “البوابة الذهبية” للخدمات النفطية، وانتقال أصولها تدريجيًا إلى دائرة ضيقة من رجال الأعمال الجدد المرتبطين بـ المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية.
وأوضح التقرير أن من بينهم ناصر الرعد وعبد الرحمن سلامة وإبراهيم سكرية، الملقب بـ “أبو مريم الأسترالي”، الذين رأوا في ثروات القاطرجي الضخمة وملفاته المرتبطة بتجارة النفط والآثار فرصة سانحة لإعادة تدوير النفوذ المالي وتركيزه في يد حازم الشرع الذي تولى رسمياً إدارة مسار الاستحواذ الشامل.
إعادة هيكلة “البوابة الذهبية” وتركيز الثروة:
تشير المعلومات إلى أن منتصف كانون الأول/ديسمبر شهد تحركات مكثفة قادها “أبو مريم الأسترالي” لإعادة هيكلة شركة “البوابة الذهبية”، حيث أُسندت إدارتها إلى شخصيات مقربة من حازم الشرع، مع إقصاء كامل للكوادر السابقة واستبدالها بطاقم موالٍ.
كما جرى، بحسب التقرير، تحويل أرصدة مصرفية مجمدة إلى حسابات مرتبطة مباشرة بالشرع، متجاوزين قرارات سابقة للجنة مكافحة الكسب غير المشروع، في خطوة اعتُبرت مفصلية في تركيز النفوذ المالي.
محاولات التمدد الخارجي وفشل الرهان الروسي:
لم يتوقف طموح حازم الشرع عند الداخل، إذ كشف التقرير عن زيارات غير معلنة إلى موسكو بهدف الوصول إلى أموال مجموعة القاطرجي المودعة في مصارف روسية كبرى، تُقدّر بنحو 140 مليون دولار.
إلا أن هذه المساعي اصطدمت بتحفظ روسي قانوني، خشية التورط في نزاعات ملكية دولية في ظل العقوبات، خاصة أن القاطرجي ما يزال يحتفظ بصفة قانونية خارج سوريا.
القضاء المحلي وترسيخ السيطرة:
ورغم تهديد مجموعة القاطرجي باللجوء إلى التحكيم الدولي، يرى التقرير أن فرصها القانونية ضعيفة، لغياب الأساس الدولي للنزاع، وبسبب انسجام القضاء المحلي مع توجهات السلطة الاقتصادية الجديدة.
ويخلص التقرير إلى أن السيطرة على “البوابة الذهبية” تمثل رسالة حاسمة بأن مسار إعادة الهندسة الاقتصادية في سوريا دخل مرحلة لا رجعة فيها، تهدف إلى ابتلاع مراكز القوى القديمة لصالح نخبة مالية جديدة أكثر مركزية وولاءً.
إقرأ أيضاً: تحت شعار “بدنا نعيش”.. موجة احتجاجات تكشف عمق الأزمة المعيشية وفشل السياسات الحكومية
إقرأ أيضاً: