تصريح “شجاعة الجنود الروس” يفجّر غضب السوريين: جدل واسع حول تصريح الشرع في موسكو
أثار تصريح الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع خلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عاصفة انتقادات واسعة في الأوساط السورية، بعد أن أشاد بما وصفه بـ”شجاعة الجنود الروس” ودور “الطبيعة الروسية” في حماية موسكو عبر التاريخ، في مشهد اعتبره كثيرون تجاهلاً صارخاً لذاكرة السوريين المثقلة بجرائم الحرب الروسية في سوريا.
وقال الشرع، واصفاً مشاهداته في موسكو: “وأنا في طريقي من المطار إلى الكرملين، رأيت كمّاً كبيراً من الثلوج، فتذكرت التاريخ وكم من الحملات العسكرية التي فشلت في الوصول لموسكو بسبب شجاعة الجنود الروس، ثم الطبيعة التي ساعدتكم في الدفاع عن هذه الأرض المباركة”.
تصريح بدا للبعض بروتوكولياً، لكنه لدى شريحة واسعة من السوريين مثّل صدمة أخلاقية، نظراً للدور المركزي الذي لعبه الطيران الحربي الروسي في تدمير المدن السورية، وارتكاب مجازر موثقة، إضافة إلى استخدام موسكو المتكرر لحق النقض (الفيتو) لحماية النظام السوري السابق وإطالة عمره السياسي والعسكري.
“غسيل جرائم” أم زلة دبلوماسية؟
الانتقادات لم تقتصر على الشارع، بل جاءت حادة من شخصيات سياسية وبحثية وناشطين بارزين. فقد اعتبر صالح الحموي، أحد مؤسسي جبهة النصرة والمعروف بلقب “أسّ الصراع في الشام”، أن التصريح يكشف هشاشة الخطاب السياسي للرئيس الانتقالي خارج النصوص المحضّرة مسبقاً.
وقال الحموي إن الشرع “كلما خرج عن النص المكتوب والاستشارات، يقع في تصريحات ارتجالية خطيرة”، مضيفاً أن الشرع وعائلته “لم يعيشوا تجربة الثورة ولا خساراتها، ولم يذوقوا ألم القصف الروسي”، ما يجعله، بحسب تعبيره، بعيداً عن مشاعر من فقدوا أبناءهم وبيوتهم تحت قنابل الطيران الروسي.
رضوان زيادة: روسيا لم تكن تحلم بهذه اللحظة:
من جانبه، رأى الكاتب والباحث السوري رضوان زيادة أن روسيا “لم تكن تحلم بمثل هذه اللحظة”، في إشارة إلى ما وصفه بـتبييض جرائم موسكو في سوريا عبر زيارات وتصريحات لا تحقق أي مكسب وطني.
وأكد زيادة أن تسليم بشار الأسد يجب أن يكون محور السياسة الخارجية السورية، وليس الإشادة بروسيا التي وفّرت له الحماية السياسية والعسكرية، معتبراً أن شكر موسكو أو مجاملتها يتناقض مع مطلب العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم بحق السوريين.
“روسيا ليست أرضاً مباركة”:
بدوره، قال الناشط محمد شازار إن “روسيا ليست أرضاً مباركة”، مؤكداً أن بوتين ووزير خارجيته سيرغي لافروف ارتكبا “أكبر الجرائم بحق السوريين”، بينما رأى الناشط محمد برو أن ما وُصف بـ”شجاعة الجنود الروس” كان سبباً في مقتل عشرات الآلاف وتدمير مدن بأكملها.
شهادة الذاكرة: صوت السوخوي لا يُنسى:
الصحفي محمد السلوم عبّر عن الغضب بلغة وجدانية قاسية، قائلاً: “نحن ضحايا نشعر اليوم بالخيانة… لم نقرأ عن صمود موسكو، بل عشنا صمودنا نحن أمام جيوش موسكو… لم نشاهد شجاعة الجنود الروس، بل شاهدنا شجاعتنا أمام انقضاض السوخوي الروسية على منازلنا”.
وأشار السلوم إلى أن صوت طائرات “السوخوي” لا يزال محفوراً في ذاكرة السوريين، مستحضراً مجزرة حاس في 26 تشرين الأول 2016، ومئات المناطق الأخرى التي لم يجد أطفالها ملجأً من القصف الروسي.
ذاكرة الجرح في مواجهة البراغماتية السياسية:
في تعليقات واسعة على منصات التواصل، أقرّ بعض السوريين بضرورة التحركات الدبلوماسية والانفتاح الدولي، لكنهم شددوا على أن اللغة المستخدمة لا تقل أهمية عن الخطوة نفسها.
فمن الصعب، كما يقول أحد التعليقات، على أم فقدت ابنها، أو عائلة هُجّرت من أرضها، أن ترى رئيسها يزور دولة كانت طائراتها رأس الحربة في تدمير مدنهم، ثم يسمع إشادة بـ”بسالة” جنودها.
الدبلوماسية بلا ذاكرة… مخاطرة سياسية وأخلاقية:
يضع تصريح الشرع القيادة السورية الانتقالية أمام سؤال بالغ الحساسية: هل يمكن بناء سياسة خارجية واقعية دون التفريط بالذاكرة الجمعية والعدالة؟
بالنسبة لكثير من السوريين، لم تكن “شجاعة الجنود الروس” سوى مأساة مستمرة، ولم يكن الفيتو الروسي إلا سداً حال دون إنقاذ أرواحهم. وأي خطاب يتجاهل هذه الحقائق، مهما كانت دوافعه الدبلوماسية، قد يُفسَّر بوصفه تنصّلاً من دماء الضحايا… قبل أن يكون خطأً سياسياً.
إقرأ أيضاً: من فوضى إسطنبول إلى بوابة برلين: تعيين مثير للجدل يعيد سؤال الكفاءة والواسطة
إقرأ أيضاً: دبلوماسية المناصب والولاء.. تعيينات الخارجية السورية الجديدة تحت مجهر الكفاءة