من فوضى إسطنبول إلى بوابة برلين: تعيين مثير للجدل يعيد سؤال الكفاءة والواسطة

أثار قرار تعيين محمد براء شكري، نجل وزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري، قائمًا بأعمال السفارة السورية في العاصمة الألمانية برلين، موجة واسعة من الجدل والاستياء في أوساط السوريين، لا سيما في أوروبا، حيث يُنظر إلى المنصب بوصفه أحد أكثر المواقع الدبلوماسية حساسية وأهمية.

الجدل لم يكن مرتبطًا بالمنصب بحد ذاته، بل بالسيرة المهنية السريعة لصاحب التعيين، وبالإرث الإداري الذي يلاحقه منذ إشرافه على الملف القنصلي السوري في إسطنبول، والذي وُصف من قبل مراجعِين وناشطين بأنه أحد أكثر الملفات فوضوية خلال السنوات الأخيرة.

صعود متسارع… وأسئلة بلا إجابات:

بحسب المعلومات المتداولة، تخرج محمد براء شكري من جامعة “صباح الدين زعيم” في إسطنبول عام 2019، ونال درجة الماجستير عام 2022، قبل أن يتولى بعد فترة قصيرة مناصب إدارية ودبلوماسية حساسة داخل وزارة الخارجية، بدءًا من إدارة الشؤون القنصلية والمغتربين، ثم تعيينه مديرًا لإدارة أوروبا في أيار/مايو 2025، وصولًا إلى منصبه الحالي في برلين.

هذا التسلسل الزمني السريع أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة-جديدة حول آليات التعيين في وزارة الخارجية بعد سقوط نظام الأسد، ومدى اعتمادها على معايير الخبرة والكفاءة، أو على “التزكيات” والقرابة من مراكز القرار، لا سيما في ظل كون المعيّن نجل وزير حالي في الحكومة.

ملف إسطنبول: سماسرة وكرامة مهدورة:

يرتبط اسم شكري بمرحلة مضطربة في القنصلية السورية في إسطنبول، حيث وثّقت شكاوى عديدة – نقلتها وسائل إعلام وناشطون – ممارسات أثارت غضب السوريين، من أبرزها:

1- تفشي ظاهرة السماسرة: استحالة حجز المواعيد عبر الموقع الرسمي، مقابل توفرها بسهولة عبر وسطاء مقابل مبالغ مالية.

2- سوء الإدارة والتنظيم: طوابير طويلة، وفوضى، وشكاوى من معاملة مهينة للمراجعين.

3- غياب الحلول: عجز الإدارة القنصلية عن معالجة الاختناقات التقنية والإدارية رغم حجم المعاناة.

مشاهد دفعت كثيرين لوصف ما جرى بأنه إعادة إنتاج لأساليب النظام السابق في التعاطي مع السوريين، ولكن بوجوه جديدة.

برلين… اختبار أكبر من التوقيع على المعاملات:

تأتي برلين في صدارة العواصم الأوروبية من حيث عدد السوريين، وثقل الملف السياسي، وتعقيد العلاقة مع المؤسسات الألمانية. لذلك يرى منتقدو القرار أن تعيين شخص، لم يعش في ألمانيا، ولا يتقن اللغة الألمانية، ولم يعمل أو يحتك بالمجتمع والمؤسسات الألمانية، يطرح علامات استفهام جدية حول قدرته على تمثيل سوريا دبلوماسيًا، خارج الإطار الإداري الضيق لإصدار الجوازات وتوقيع الوكالات.

الناشط نبراس عقيل عبّر عن هذا القلق بوضوح، معتبرًا أن المشكلة ليست شخصية، بل تتعلق بمبدأ عام: “هل يُعقل ألا يوجد بين عشرات آلاف السوريين المتعلمين والمقيمين في ألمانيا من هو أكثر خبرة وتأهيلاً لهذا المنصب؟”


“الواسطات” بثوب جديد؟

التعيين فجّر أيضًا نقاشًا أوسع حول ما إذا كانت المحسوبيات التي سادت قبل سقوط نظام الأسد قد تغيّرت فعليًا، أم أنها أعيدت صياغتها تحت مسميات جديدة مثل “التزكيات” و”الثقة”.

الصحفي أحمد الياسين علّق بسخرية لاذعة على القرار، معتبرًا أن التعيين قد يفتح الباب أمام “دور” أبناء المسؤولين الآخرين، فيما رأى الصحفي أحمد السخني أن المرحلة الجديدة يبدو أن عنوانها هو “الولاء والبراء”، لا الكفاءة والمعايير المهنية.



خلاصة:

بعيدًا عن الأشخاص، يضع هذا التعيين الدولة السورية الجديدة أمام اختبار حقيقي: هل ستكون الدبلوماسية السورية واجهة للتغيير المنشود، أم مرآة لاستمرار العقلية القديمة بوجوه شابة؟ سؤال لا يطرحه الشارع السوري بدافع الخصومة، بل بدافع الأمل في دولة تُدار بالكفاءة، لا بالأسماء والعلاقات.

إقرأ أيضاً: رأفت حسن… شقيق وزير الخارجية في واجهة الإعلان ومخاوف متصاعدة من “حكم العائلة” في سوريا

إقرأ أيضاً: تعيين عبد الرحمن سلامة محافظًا للرقة: بين إعادة هندسة النفوذ ومركزية القرار

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.