داريا مهددة بفراغ صحي ليلي مع اقتراب توقف دعم المركز الحكومي الوحيد

تواجه مدينة داريا في ريف دمشق الغربي خطرًا صحيًا متصاعدًا مع اقتراب توقف خدمات الإسعاف الليلي في مركز داريا الصحي، وهو المركز الحكومي الوحيد الذي يقدم خدمات طبية مجانية لسكان المدينة. ويأتي ذلك مع قرب انتهاء دعم منظمة “أطباء بلا حدود” بنهاية شهر كانون الثاني الجاري، من دون وجود بديل واضح يضمن استمرارية الخدمة خلال ساعات الليل وأيام العطل.

ويُعد مركز داريا الصحي المنفذ الإسعافي الحكومي المجاني الوحيد في المدينة، في ظل غياب أي مشفى عامل داخل داريا، ما يجعل توقف خدماته الليلية عامل خطر مباشر على آلاف السكان، ولا سيما في الحالات الطارئة التي تتطلب تدخلاً سريعًا.

دعم ينتهي وخدمة مهددة

مدير مركز داريا الصحي، الدكتور إياد خشفه، أوضح في تصريحات إعلامية أن دعم منظمة “أطباء بلا حدود”، الذي بدأ في آذار/مارس 2025 بعد سقوط النظام السابق، سيتوقف نهاية الشهر الحالي ضمن سياسة جديدة للمنظمة تركز على مناطق أخرى تعتبرها أكثر احتياجًا.

وبيّن خشفه أن الكوادر التابعة لوزارة الصحة تعمل حاليًا خلال الفترة الصباحية فقط، في حين كانت كوادر المنظمة تغطي الفترة الممتدة من بعد الظهر وحتى ساعات الصباح، إضافة إلى أيام العطل الرسمية. ومع انسحاب المنظمة، ستتحول الخدمة إلى رعاية صحية نهارية فقط، وهو ما وصفه بأنه “لا يمكن اعتباره إسعافًا حقيقيًا” في مدينة يبلغ عدد سكانها عشرات الآلاف.

وحذّر من أن توقف الخدمات الليلية سيخلّف “نتائج خطيرة” على مستوى المدينة، خاصة في ظل غياب أي بديل حكومي فوري قادر على سد النقص في الكوادر والتجهيزات.

أرقام تعكس حجم الحاجة

وفق بيانات إدارة المركز، بلغ عدد مراجعي قسم الإسعاف منذ افتتاحه وحتى نهاية العام الماضي 21,076 حالة، فيما سجل المركز خلال الشهر الأول من العام الجاري وحده 2,090 حالة، ما يعكس حجم الاعتماد الكبير على هذا المرفق الصحي.

كما استقبل المركز 6,211 مراجعًا في قسم اللقاحات، و19,513 مراجعًا في العيادات المختلفة، التي تشمل العيادة الداخلية وعيادة الأطفال ومتابعة الحمل والدعم النفسي، إلى جانب مخبر محدود التجهيز وخدمات رقابة صحية أساسية.

وأشار خشفه إلى أن منظمة “أطباء بلا حدود” كانت تؤمّن الجزء الأكبر من الأدوية الإسعافية، وتتكفل بتجهيز قسم الطوارئ والصيدلية وغرفة الضمادات، إضافة إلى تغطية تكاليف لوجستية أساسية مثل الكهرباء والوقود، مؤكدًا أن جميع الخدمات المقدمة في المركز مجانية بالكامل.

مركز وحيد في مدينة بلا مشفى

من جهته، قال مدير المكتب الإعلامي في داريا، ياسر أبو عمار، إن المركز الصحي الحكومي يخدم المدينة وعددًا من المناطق المجاورة، في ظل خروج المشفى الوطني في داريا عن الخدمة بشكل كامل. وأوضح أن خدمات المركز وفّرت على الأهالي، وفق تقديرات محلية، ما يقارب 60 ألف دولار من تكاليف المعاينات الطبية التي كانوا سيتحملونها في حال التوجه إلى مشافٍ أو عيادات خاصة خارج المدينة.

وأشار أبو عمار إلى أن المركز كان يعاني من تدهور كبير قبل سقوط النظام السابق، قبل أن تتولى منظمة “أطباء بلا حدود” إعادة تأهيله وتوسعته وتجهيزه، إلى جانب تحسين بنيته الخدمية وإنشاء استراحة للمرضى.

ولفت إلى أن المركز لا يمتلك سوى سيارة إسعاف واحدة، سبق أن تعطلت وتم إصلاحها بجهود من المجتمع المحلي، محذرًا من أن انسحاب المنظمة سيؤدي إلى توقف الإسعاف الليلي بالكامل خلال أيام قليلة.

وأضاف أن وزارة الصحة أبدت وعودًا بمتابعة ملف المركز، إلا أن المخاوف تتركز حول تأخر تنفيذ هذه الوعود، في وقت ارتفع فيه عدد سكان داريا بعد التحرير ليصل إلى نحو 140 ألف نسمة وفق تقديرات محلية.

بنية صحية مدمّرة منذ سنوات

قبل عام 2011، كانت داريا تضم عدة مشافٍ حكومية وخاصة، وكان المشفى الوطني فيها من أكبر المشافي الحكومية في سوريا، يخدم الغوطة الغربية ويسهم في تخفيف الضغط عن مشافي دمشق. إلا أن القصف الذي تعرضت له المدينة خلال سنوات الحرب أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من هذا المشفى وتخريب بنيته التحتية، ما جعله اليوم خارج الخدمة بالكامل ويحتاج إلى مبالغ تقدر بملايين الدولارات لإعادة تأهيله.

وبحسب تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2022، فإن نحو 43 في المئة من البنية السكنية في داريا تعرضت للتدمير. كما جاءت المدينة في أسوأ تصنيف من حيث البنية التحتية والخدمات بين 14 مدينة شملها التقرير، إذ يحتاج نحو ثلث شبكة الطرق إلى إعادة تأهيل، إضافة إلى تدمير شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وتراكم الأنقاض التي تسببت بانسداد قنوات الصرف وتسرب النفايات إلى التربة.

وأشار التقرير إلى أن سبعة من أصل ثمانية مرافق صحية في داريا خرجت عن الخدمة إلى حد كبير، بينما تحوّل المشفى الوطني إلى مبنى مهجور بلا أي وظيفة طبية.

مخاوف متزايدة بانتظار حلول

في ظل هذا الواقع، يترقب سكان داريا مصير مركزهم الصحي الوحيد، وسط مخاوف من فراغ إسعافي ليلي قد يفاقم معاناتهم الصحية، في مدينة لا تزال تعاني من آثار دمار واسع وبنية خدمية هشة، ما يضع الجهات المعنية أمام اختبار حقيقي لتأمين الحد الأدنى من الرعاية الصحية في مرحلة يفترض أنها مرحلة تعافٍ وإعادة بناء.

اقرأ أيضاً:داريا نموذجاً.. ضياع السجلات العدلية يهدد ممتلكات آلاف السوريين

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.