تعديل سعر لصاقة المشروبات الكحولية في سوريا: قراءة في الأبعاد الاقتصادية
أثار قرار وزارة المالية السورية المتعلق بتعديل سعر لصاقة المشروبات الكحولية نقاشًا واسعًا حول خلفياته الاقتصادية وتداعياته المحتملة على السوق والإيرادات العامة. القرار، الذي حمل الرقم (120 / ق. و) وصدر بتاريخ 27 كانون الثاني/ يناير 2026، حدّد قيمة اللصاقة الجديدة بمبلغ ألف ليرة سورية لكل وحدة من المشروبات الكحولية المتداولة في السوق المحلية.
ويستند القرار إلى أحكام قانون رسم المواد الكحولية رقم 165 لعام 1945 وتعديلاته، ما يمنحه غطاءً قانونيًا قديمًا، إلا أن تطبيقه في السياق الاقتصادي الراهن يطرح تساؤلات تتجاوز الإطار التشريعي إلى التأثيرات العملية على الإنتاج والاستيراد وحركة السوق.
إجراءات تنظيمية ورقابية مشددة
لم يقتصر القرار على تعديل السعر فقط، بل تضمّن حزمة من الإجراءات التنفيذية، أبرزها إلزام جميع المرخصين من منتجين ومستوردين بإجراء جرد شامل ودقيق للبطاقات واللصاقات المتوفرة لديهم. كما نصّ على استيفاء فروقات القيمة المالية بين السعر السابق والسعر الجديد، استنادًا إلى نتائج هذا الجرد.
وبالتوازي، عمّمت وزارة المالية القرار على الجهات الرقابية المعنية، بما فيها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش والجهاز المركزي للرقابة المالية، بهدف ضمان الالتزام الكامل وتحصيل الرسوم لصالح الخزينة العامة، ليُصبح القرار نافذًا فور نشره في الجريدة الرسمية.
انعكاسات على بنية السوق
القرار قوبل بانتقادات من بعض الخبراء الاقتصاديين الذين اعتبروا أن رفع تكلفة سلعة محددة في ظل ضعف القدرة الشرائية قد يؤدي إلى إعادة تشكيل السوق بطرق غير متوقعة. ويرى الخبير الاقتصادي يونس الكريم أن مثل هذه الخطوات قد تندرج في إطار “هندسة السوق”، سواء بهدف الحد من الاستهلاك أو خلق ندرة تفتح المجال أمام توسع السوق غير النظامية.
ويشير الكريم إلى أن تشديد الرقابة ورفع الرسوم قد يؤديان إلى بروز شبكات تهريب جديدة تستفيد من فروقات الأسعار، ما ينعكس سلبًا على الإنتاج النظامي ويحوّل جزءًا من النشاط الاقتصادي إلى قنوات غير رسمية.
وتظهر التأثيرات السعرية بوضوح عند النظر إلى الأرقام المتداولة، إذ يبلغ سعر ليتر النبيذ في السوق المحلية نحو 30 ألف ليرة سورية، في حين أن إضافة الرسوم وقيمة اللصاقة الجديدة قد ترفع السعر النهائي إلى مستويات أعلى بكثير، ما يشكل عبئًا إضافيًا على المستهلكين ويؤثر في استقرار الأسعار.
الإنتاج المحلي والبعد الاجتماعي
من زاوية أخرى، يرى الخبير الاقتصادي عامر شهدا أن القرار قد يشكّل ضغطًا كبيرًا على الإنتاج الوطني، معتبرًا أن ارتفاع التكاليف قد يدفع بعض المنتجين إلى الخروج من السوق النظامية، أو يفتح المجال أمام زيادة التهريب من الخارج. كما يلفت إلى أن النقاش لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية وثقافية تتعلق بطبيعة هذه السلع وحساسيتها داخل المجتمع السوري.
سياق سياسي واقتصادي أوسع
يأتي هذا الجدل في وقت لا تزال فيه الحكومة السورية تبحث عن أدوات لزيادة إيراداتها في ظل عجز مالي متفاقم. ويُستحضر في هذا السياق تصريح سابق للرئيس السوري أحمد الشرع خلال مقابلة مع شبكة “بي بي سي”، حين أشار إلى أن القضايا المرتبطة بالمشروبات الكحولية تخضع لمعالجة قانونية ودستورية، وأن حسمها يعود إلى المؤسسات التشريعية المختصة ضمن الإطار الدستوري.
في المحصلة، يفتح قرار تعديل سعر لصاقة المشروبات الكحولية بابًا جديدًا للنقاش حول أولويات السياسة المالية في سوريا، والتوازن بين زيادة الإيرادات من جهة، والحفاظ على استقرار السوق والإنتاج النظامي من جهة أخرى. وبينما ترى الحكومة في هذه الخطوة أداة تنظيمية ومالية، يحذّر اقتصاديون من مخاطر توسع اقتصاد الظل، ما يطرح تساؤلات مستمرة حول المستفيد الحقيقي من هذه السياسات في ظل الأزمة الاقتصادية القائمة.
اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة