تصاعد القلق بين الإيزيديين والأكراد في شمال شرق سوريا
تسود حالة من القلق المتزايد في مناطق شمال شرق سوريا، لا سيما بين الإيزيديين والأكراد، في ظل تقدم القوات الحكومية إلى مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وفق شهادات سكان محليين وتقارير إعلامية وحقوقية دولية.
وفي مدينة عين العرب/كوباني بريف محافظة حلب، ذات الغالبية الكردية والقريبة من الحدود التركية، أفاد سكان بسماع أصوات قصف خلال الأيام الماضية، رغم إعلان وقف لإطلاق النار في 20 كانون الثاني/يناير بين الحكومة السورية الانتقالية و”قسد” لمدة أربعة أيام.
وقال أحد سكان المدينة، ويدعى محمد، في تصريح لوكالة The New Humanitarian، إن المخاوف تتزايد من احتمال تعرض المدينة لهجوم قريب، مشيرًا إلى أن تقييد خدمات الإنترنت من قبل الحكومة الانتقالية فاقم من حالة القلق وعدم اليقين بين السكان.
وقف إطلاق نار هش وتوترات ميدانية
وتقع عين العرب/كوباني ضمن مناطق “الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا، التي تسيطر عليها قوات كردية. وتسعى الحكومة الانتقالية إلى بسط سيطرتها على هذه المناطق، وإنهاء الوجود العسكري لقوات سوريا الديمقراطية ودمج عناصرها ضمن الجيش السوري، وهو ما أدى إلى توترات متكررة بين الطرفين خلال الأسابيع الماضية، بعد تعثر مسار المفاوضات أكثر من مرة خلال العام الفائت.
ورغم توقف الاشتباكات لفترة وجيزة، تم تمديد وقف إطلاق النار لمدة 15 يومًا ليلة 24 كانون الثاني/يناير، إلا أن مصادر محلية أفادت باستمرار الهجمات على قرى تقع غرب عين العرب/كوباني، ما أسفر عن مقتل أربعة مدنيين، بينهم طفل.
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، يتوجب على “قسد” تنفيذ خطة من 14 بندًا، تتضمن حل تشكيلاتها العسكرية ودمج عناصرها ضمن الجيش السوري. وفي المقابل، لوّحت الحكومة الانتقالية بإمكانية استئناف العمليات العسكرية في حال عدم الالتزام بالاتفاق، بهدف استعادة السيطرة على المناطق الكردية، بما فيها عين العرب/كوباني، إضافة إلى مراكز نفوذ “قسد” في الحسكة والقامشلي.
أوضاع إنسانية متدهورة
على الصعيد الإنساني، بدأت قوافل مساعدات بالدخول إلى مدينة عين العرب/كوباني في 25 كانون الثاني/يناير، عقب حصار أدى إلى انقطاع الكهرباء والمياه والمواد الغذائية عن نحو 400 ألف شخص. ورغم ذلك، لا تزال الاحتياجات الأساسية كبيرة.
وقال محمد إن تأمين الاحتياجات اليومية بات مهمة شاقة، موضحًا: “لدي طفل رضيع وأواجه صعوبة في توفير الحليب له، إضافة إلى نقص زيت التدفئة في ظل البرد القارس”.
ووفق “الهلال الأحمر الكردي”، توفي خمسة أطفال منذ بدء الحصار في 16 كانون الثاني/يناير، بينما اضطر عدد كبير من النازحين إلى الإقامة في سياراتهم أو داخل المدارس هربًا من الظروف الجوية القاسية.
مخاوف الإيزيديين من تكرار الانتهاكات
وتبرز مخاوف خاصة لدى الإيزيديين من احتمال تعرضهم لانتهاكات جديدة، في ظل تاريخ طويل من الاضطهاد، كان أبرز محطاته الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم “داعش” عام 2014 في منطقة سنجار/شنكال.
وقالت ناشطة إيزيدية من مدينة القامشلي، تُدعى جولي، إن استمرار الوضع الحالي يثير مخاوف من “إبادة جماعية”، سواء من خلال العنف المباشر أو عبر سياسات ممنهجة تؤدي إلى تآكل الوجود الثقافي والاجتماعي للإيزيديين.
وأضافت أن المرسوم الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 16 كانون الثاني/يناير، والذي اعترف بالحقوق الثقافية للأكراد وأعاد الجنسية لعدد منهم، لم يتضمن ضمانات أو إجراءات واضحة لحماية حقوق الأقليات الأخرى، بما فيها الإيزيديون، ما عمّق شعورهم بعدم الأمان.
تداعيات انسحاب “قسد” وتحذيرات إقليمية
ومع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من الرقة ودير الزور بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، انتقلت السيطرة على المخيمات والسجون، التي تضم معتقلين من تنظيم “داعش” وعائلاتهم، إلى الحكومة الانتقالية.
وفي هذا السياق، قالت ابنة أحد النازحين الإيزيديين إن غياب “قسد” سيترك الإيزيديين عرضة لمضايقات وهجمات محتملة، مضيفة أن المخاوف لم تعد افتراضية بل باتت شبه مؤكدة، بحسب تعبيرها.
وامتدت هذه المخاوف إلى المجتمعات الإيزيدية في العراق المجاور، حيث حذّرت الناشطة الإيزيدية الحائزة على جائزة نوبل للسلام، نادية مراد، من أن غياب تحرك دولي جاد قد يفتح المجال أمام تنظيم “داعش” لإعادة تنظيم صفوفه.
من جانبه، قال مؤسس مبادرة “نادية”، عابد شمدين، إن المعلومات الواردة من سنجار/شنكال تشير إلى مستويات عالية من التوتر، مع وجود مخاوف من امتداد الصراع إلى داخل الأراضي العراقية، داعيًا إلى نشر قوة حفظ سلام دولية تابعة للأمم المتحدة لمراقبة الأوضاع وضمان حماية الأقليات.
اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة