جدل واسع حول صيانة سقف سوق الحميدية في دمشق وسط مخاوف على الهوية التاريخية
أثار مشروع صيانة أو استبدال سقف سوق الحميدية في دمشق حالة من الجدل الواسع بين أصحاب المحال وسكان المنطقة، في ظل مخاوف متزايدة من تأثير أي تدخل إنشائي على الهوية التاريخية والمعمارية لأحد أقدم الأسواق التراثية في العالم.
وبالنسبة لأهالي سوق الحميدية، لا يقتصر الأمر على أعمال صيانة تقنية، بل يتعلق بـمعلم تراثي حي يشكل جزءًا أساسيًا من ذاكرة دمشق القديمة، ما حوّل النقاش سريعًا إلى قضية تتعلق بالحفاظ على التراث.
تجار السوق: السقف شاهد على التاريخ:
قال خالد المبيض، أحد أصحاب المحال في سوق الحميدية ووريث محل تجاري يعود إلى أجداده، إن الخلاف لا يتمحور حول رفض الصيانة، بل حول طبيعة التدخل المقترح، مشيرًا إلى أن آخر تجديد كبير لسقف السوق يعود إلى عام 1915.
وأوضح المبيض في تصريح لموقع “تلفزيون سوريا” أن الأولويات الحقيقية للصيانة تشمل تحسين الصرف الصحي، وتنظيم السيّالات المطرية، وترميم الجدران، وإبراز المعالم الأثرية، معتبرًا أن تغيير السقف بالكامل قد يؤدي إلى تشويه الطابع التاريخي للسوق وإلحاق أضرار يصعب إصلاحها بالجدران الطينية.
وأكد أن التجار يطالبون بحلول هندسية تحمي السوق، مثل إنشاء مجارٍ لتصريف مياه الأمطار، بدل استبدال السقف التاريخي بمواد حديثة، محذرًا من المساس بالفتحات القديمة التي تُعد جزءًا من القيمة الأثرية للمكان.
“السقف جزء من ذاكرتنا”:
بدوره، عبّر سمير الدغري (55 عامًا)، أحد أبناء سوق الحميدية، عن رفضه لأي تعديل قد يغيّر ملامح السوق التاريخية، مؤكدًا أن الجدران الطينية (التبن) تتطلب عناية خاصة، وأن أي تدخل خاطئ قد يؤدي إلى أضرار إنشائية جسيمة.
وأضاف أن مشهد الشمس والمطر عبر فتحات السقف يمثل جزءًا من الذاكرة الجمعية لأهالي السوق، معتبرًا أن استبدال السقف بمواد حديثة مثل الصاج أو الألواح المعدنية سيغيّر روح المكان بالكامل.
وشدد الدغري على أن التطوير الحقيقي يكمن في حماية السوق وتنظيم محيطه، ومنع دخول السيارات، وتحسين الخدمات والبنية التحتية، دون المساس بجوهر السوق التاريخي.
لجنة السوق: نرحب بالترميم لا بتغيير الهوية:
من جهته، أكد سمير بكداش، مسؤول لجنة سوق الحميدية، أن التجار لا يعارضون الترميم، شريطة أن يتم بالتشاور مع أصحاب المحال وبما يحافظ على الطابع التراثي والديني للسوق.
وأوضح أن اللجنة تقدمت بطلب رسمي إلى مديرية دمشق القديمة ومكتب عنبر لصيانة السيّالات المطرية، وبعد الكشف الهندسي باستخدام الطائرات المسيّرة، تبيّن أن المطلوب هو ترميم موضعي وليس تغيير السقف بالكامل.
وأشار بكداش إلى أن المبادرة التمويلية التي تقدم بها رجل أعمال خليجي مرحّب بها، إلا أن الإشكالية الأساسية تتعلق بطبيعة المواد المستخدمة، ومدة التنفيذ المقدّرة بنحو 75 يومًا، محذرًا من أن أي خطأ إنشائي قد يلحق أضرارًا بالجدران والبنية الحاملة للمحال.
مخاوف قانونية وإنشائية:
تتجاوز مخاوف التجار الجانب التراثي لتشمل الهواجس القانونية، إذ تعود ملكية عدد من المحال إلى وزارة الأوقاف، بينما يشغلها التجار بصفتهم مستأجرين.
وحذّر بكداش من أن أي ضرر إنشائي قد يؤدي إلى اعتبار بعض المحال غير صالحة للاستثمار، ما قد يفتح الباب أمام دعاوى إخلاء قانونية، متسائلًا عن وجود ضمانات مكتوبة تضمن تعويض المتضررين وإعادة المحال إلى أصحابها.
محافظة دمشق: لا تنفيذ قبل اكتمال الدراسات:
في المقابل، أكدت محافظة دمشق أن ما يُتداول حول بدء أعمال صيانة أو ترميم سقف سوق الحميدية غير دقيق، موضحة أن المشروع لا يزال قيد الدراسة.
وأشارت المحافظة إلى أن أي خطوة تنفيذية ستُتخذ فقط بعد استكمال دراسات فنية وهندسية شاملة تشارك فيها لجان مختصة ومهندسون وخبراء تراث، مؤكدة أن المرحلة الحالية تقتصر على التقييم والدراسة دون الشروع بأي أعمال ميدانية.
وشددت على أن الهدف النهائي هو الوصول إلى رؤية فنية متكاملة تحظى بإجماع الجهات المعنية، وتحافظ على القيمة التاريخية والأثرية لسوق الحميدية.
إقرأ أيضاً: أسواق دمشق بين فئتين نقديتين: القديمة ما تزال الأقوى
إقرأ أيضاً: دمشق بعد السقوط: فوضى ثقافية واجتماعية تُهدد العاصمة