أظهرت التصريحات الحكومية الأخيرة المتعلقة بقطاع النفط والغاز في سوريا تباينًا لافتًا بين الخطاب السياسي الذي ساد خلال السنوات الماضية، والوقائع التقنية التي بدأت تتكشف بعد استعادة الدولة السيطرة المباشرة على الحقول النفطية في الشمال والشرق، ما أعاد فتح النقاش حول جاهزية هذا القطاع وقدرته الفعلية على المساهمة السريعة في إنعاش الاقتصاد.
فبعد تأكيدات رسمية سابقة بأن سوريا تمتلك ثروة نفطية كبيرة كانت خارج سيطرة الدولة وتدار من قبل «قوات سوريا الديمقراطية»، بدأت تصريحات جديدة صادرة عن مؤسسات رسمية، عقب تسلّم الحقول، تشير إلى ضعف الإنتاج وتهالك البنية التحتية واعتماد منشآت كثيرة على أساليب بدائية لا تتوافق مع متطلبات الاستثمار المستدام.
استعادة الحقول ورهانات التعافي الاقتصادي
جاء هذا التحول في الخطاب بالتوازي مع مرحلة سياسية وأمنية مفصلية، تمثلت في استعادة الجيش السوري السيطرة على حقول نفطية رئيسة كانت تُدار لسنوات خارج الإطار الحكومي، ضمن اتفاق ذي أبعاد إدارية وسياسية وأمنية أنهى حالة الانقسام في إدارة الموارد الطبيعية.
وتعوّل الحكومة الانتقالية على هذه الخطوة بوصفها مدخلًا لإعادة توحيد القرار الاقتصادي، وتعزيز قدرة الدولة على تلبية الطلب المحلي من النفط والغاز، وخفض فاتورة الاستيراد، وتحسين الإيرادات العامة في ظل أزمة مالية واقتصادية خانقة.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع أن سوريا دخلت مرحلة جديدة في إدارة مواردها الطبيعية، معتبرًا أن استعادة السيطرة على آبار النفط والغاز تشكل ركيزة أساسية لبناء دولة مستقرة وقادرة على التعافي الاقتصادي.
رسائل سياسية للداخل والخارج
حملت تصريحات الشرع رسائل متعددة الاتجاهات، إذ أكد أن موارد الطاقة «عادت رسميًا إلى خزينة الدولة»، وأن مرحلة الإدارة المجزأة للثروات انتهت مع دخول مؤسسات الدولة إلى محافظات دير الزور والحسكة والرقة، في تأكيد على مركزية القرار السيادي ووحدة إدارة الموارد.
كما ربط الشرع هذا التحول بإمكانية إعادة صياغة العلاقات الطاقوية لسوريا مع الغرب، موجهًا دعوة مباشرة للشركات الأميركية والأوروبية للاستثمار في الحقول السورية، في خطوة تهدف إلى فتح مسار جديد قد يفضي إلى تخفيف العقوبات وبدء مرحلة إعادة الإعمار.
غير أن هذه الوعود السياسية اصطدمت سريعًا بتصريحات فنية أكثر حذرًا، صدرت عن وزارة الطاقة، أعادت تسليط الضوء على حجم التحديات البنيوية التي يواجهها قطاع النفط والطاقة في البلاد.
مقاربة فنية أكثر تحفظًا
في هذا الإطار، قال مدير الاتصال الحكومي والمتحدث باسم وزارة الطاقة، أحمد السليمان، إن واقع قطاع النفط والطاقة الكهرومائية يعاني من أزمات تقنية وبنيوية عميقة، تراكمت على مدى سنوات من النزاع والإهمال، ما يجعل الحديث عن عودة سريعة إلى مستويات الإنتاج السابقة غير واقعي في الوقت الراهن.
وأوضح السليمان، وفق تصريحات نقلها موقع «سوريا 24»، أن المرحلة الحالية تتطلب مقاربة تدريجية تبدأ بتقييم شامل للحقول والمنشآت، قبل الانتقال إلى إعادة التأهيل والاستثمار، مشيرًا إلى أن معظم الحقول في منطقة الجزيرة السورية بحاجة إلى صيانة واسعة ودراسات فنية وجيولوجية دقيقة لتحديد طاقتها الإنتاجية الحقيقية.
وبيّن أن الاستفادة الفعلية من هذه الحقول قد تحتاج إلى فترة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام، حتى في حال توافر التمويل والخبرات، مؤكدًا أن الاعتماد على الأساليب البدائية المعتمدة حاليًا لا يمكن أن يشكل حلًا دائمًا في ظل بنية تحتية تعرضت لأضرار جسيمة.
فجوة واضحة بين الحاجة والإنتاج
وأشار السليمان إلى أن جزءًا من الحقول النفطية لا يزال مغلقًا، في حين لم تُستكشف حقول أخرى بعد، ما يزيد من تعقيد مشهد الطاقة ويجعل من الضروري اعتماد خطة طويلة الأمد لإعادة المسح والتقييم.
وفي ما يتعلق بالإنتاج، أقر بأن سوريا تحتاج في الظروف الطبيعية إلى نحو 200 ألف برميل نفط يوميًا، في حين لا يتجاوز الإنتاج الحالي 80 ألف برميل، وهو رقم وصفه بأنه تقديري وغير نهائي بسبب نقص البيانات الدقيقة، ما يعكس فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية والإمكانات المتاحة.
ويمتد هذا التباين إلى قطاع الكهرباء، ولا سيما وضع سد الفرات، أحد أهم المنشآت الاستراتيجية في البلاد. وأوضح السليمان أن كل عنفة من عنفات السد تحتاج إلى استثمارات بملايين الدولارات لإعادة تأهيلها، في ظل أعطال متراكمة وتراجع كبير في الكفاءة التشغيلية.
وأشار إلى أن السد يضم ثماني عنفات، تعمل منها أربع فقط، فيما لا تولد الكهرباء فعليًا سوى عنفتين، نتيجة انخفاض منسوب المياه وتعطل بقية الوحدات. ورغم أن القدرة النظرية للسد تصل إلى نحو 800 ميغاواط، فإن إنتاجه الحالي لا يتجاوز 100 إلى 110 ميغاواط.
بين التقييم والاستثمار
وفي محاولة لردم الفجوة بين الطموحات السياسية والواقع الفني، أكد السليمان أن وزارة الطاقة تعمل على إجراء تقييم شامل لكافة منشآت الطاقة، تمهيدًا لوضع خطط دقيقة لإعادة التأهيل والصيانة.
وكشف أن بعض المنشآت التي تتطلب استثمارات ضخمة قد تُطرح أمام مستثمرين سوريين أو أجانب ضمن أطر قانونية وتنظيمية محددة، في خطوة تعكس توجه الحكومة نحو إشراك القطاع الخاص في إعادة بناء قطاع الطاقة.
ويعكس هذا التباين بين خطاب «الاستثمار السريع» الذي تطرحه القيادة السياسية، وخطاب «التعافي التدريجي» الذي تتبناه المؤسسات الفنية، حالة من التضارب في السردية الحكومية بشأن حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النفطية، ويعيد طرح تساؤلات حول التصورات السابقة المتعلقة بقدرة هذا القطاع على لعب دور فوري في إنقاذ الاقتصاد السوري.