الحسكة تحت ضغط التصعيد: الخدمات الأساسية تتحول إلى ورقة صراع

تعيش مدينة الحسكة حالة متزايدة من القلق والترقب، في ظل تداخل العوامل العسكرية والسياسية مع تفاصيل الحياة اليومية للسكان، ما جعل المدينة مثالًا مصغرًا لتعقيدات المشهد السوري الراهن. فالتوتر لم يعد محصورًا عند حدود التحشيد العسكري أو تبادل المواقف السياسية، بل امتد ليطال أساسيات العيش، مع تراجع واضح في توفر الخبز والمياه وارتفاع حدة الاضطراب في الأسواق.

وتصاعدت هذه المخاوف مع انتهاء ما عُرف بـ“مهلة الاندماج” التي حددتها الحكومة السورية لـ“قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهي خطوة رأى فيها كثير من السكان مؤشرًا على احتمال انزلاق الوضع نحو مواجهة عسكرية. ميدانيًا، انعكست هذه الضغوط على شكل إجراءات مشددة وحالة أقرب إلى “حصار داخلي” غير معلن، جعلت أحياء المدينة تعيش ظروفًا صعبة، وفق شهادات محلية نقلها مراسلون من داخل الحسكة.

أزمة الخبز وتحوّل آليات التوزيع
في عدد من أحياء المدينة، مثل النشوة وغويران والعزيزية، غابت الطوابير المعتادة أمام الأفران الآلية، ليس بسبب تراجع الحاجة، بل نتيجة توقف توزيع الخبز على المدنيين. وأفاد سكان محليون بأن المعتمدين التابعين للإدارة الذاتية (“الكومينات”) أوقفوا تسليم الخبز اليومي للأسر، في ظل توجه لتخصيص الإنتاج لما يُعرف بـ“الجهد الحربي”، أي لتلبية احتياجات المقاتلين والتحصينات العسكرية التي يجري إنشاؤها عند مداخل المدينة وبالقرب من سجن الصناعة.

وقال أحد سكان حي العزيزية، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن انقطاع الخبز لعدة أيام متتالية دفع الأهالي للبحث عن بدائل في الأفران الخاصة الخارجة عن منظومة التوزيع الرسمية، إلا أن هذه الأفران شهدت ازدحامًا شديدًا، ما جعل الحصول على الخبز أمرًا بالغ الصعوبة لغالبية السكان. وبحسب تقديرات محلية، وصل العجز في تلبية احتياجات السوق من الخبز إلى نحو 70%.

المياه… أزمة قديمة تتفاقم
لم تقتصر الضغوط على الخبز، إذ دخلت أزمة المياه، المزمنة في الحسكة، مرحلة أكثر حدة. فالمدينة تعتمد منذ سنوات على مياه الصهاريج المتنقلة، نتيجة خروج محطة “علوك” في ريف رأس العين عن الخدمة بشكل متكرر. ومع تصاعد التوتر العسكري وفرض حظر تجوال ليلي، توقفت حركة معظم الصهاريج داخل الأحياء، خشية تعرضها للمصادرة أو الاستهداف عند الحواجز العسكرية.

وأشارت نازحة تقيم في حي الكلاسة إلى أن العديد من الخزانات المنزلية باتت فارغة تمامًا، ما اضطر الأهالي لاستخدام ما تبقى من المياه الراكدة في الخزانات القديمة، وهو ما يثير مخاوف متزايدة من مخاطر صحية واحتمال انتشار الأمراض، في ظل اللجوء إلى مصادر غير آمنة.

الأسواق بين نفاد المواد والاحتكار
في موازاة ذلك، شهدت أسواق الحسكة إقبالًا كثيفًا من السكان لتخزين المواد الغذائية الأساسية، مثل الأرز والسكر والزيوت، تحسبًا لتدهور الأوضاع. هذا الإقبال أدى إلى نفاد سريع في المخزون، وترافق مع شكاوى من انتشار الاحتكار وارتفاع الأسعار.

وبينما يعزو بعض التجار نقص المواد إلى تقلبات سعر الصرف وصعوبات النقل، يتهم سكان محليون موردين كبارًا بتخزين السلع عمدًا في المستودعات، تمهيدًا لطرحها لاحقًا بأسعار أعلى. كما ساهم حظر التجوال المفروض بدءًا من الساعة السابعة مساءً في تقليص ساعات التسوق، ما زاد الضغط على الأسواق في ساعات الصباح، وفتح المجال أمام مزيد من الارتفاعات العشوائية في الأسعار.

نزوح داخلي ومخاوف مفتوحة
ومع تزايد التوتر، بدأت عشرات العائلات بمغادرة الأحياء القريبة من خطوط التماس، متجهة إلى مناطق ريفية أكثر هدوءًا، خشية تحول المدينة إلى ساحة مواجهة مفتوحة. وفي ظل غياب تطمينات واضحة من الأطراف المتصارعة، يعيش سكان الحسكة حالة من الانتظار القلق، حيث تتقاطع المخاوف الأمنية مع أزمات معيشية خانقة.

وبين حظر التجوال الذي يقيّد الحركة ليلًا، ونقص الغذاء والمياه خلال النهار، يجد المواطن نفسه في موقع الحلقة الأضعف، في مدينة باتت مواردها الأساسية جزءًا من معادلة الصراع، فيما يظل مستقبلها القريب مفتوحًا على احتمالات غير واضحة.

اقرأ أيضاً:سورية والسعودية تتفقان على إنشاء محطتي كهرباء بالطاقة المتجددة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.