مياه الصرف الصحي تغزو الزراعة في ريف دمشق: خطر صحي يهدد سلامة الغذاء

تتّسع رقعة الأراضي الزراعية المروية بمياه الصرف الصحي في مناطق ريف دمشق، في ظل شحّ المياه والجفاف غير المسبوق وارتفاع تكاليف الري، ما يدفع مزارعين لاستخدام هذه المياه كخيار اضطراري، رغم ما تشكّله من خطر مباشر على الصحة العامة وسلامة الغذاء.

ورغم حديث الجهات الحكومية السورية عن خطط لتعزيز الإنتاج الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي، باتت ما تُعرف بـ”المياه السوداء” مصدرًا بديلًا لري محاصيل تدخل مباشرة في السلة الغذائية اليومية، على مساحات واسعة تحيط بالعاصمة دمشق، محمّلة بملوثات جرثومية وكيميائية تنتقل من التربة إلى المزروعات، ثم إلى موائد المستهلكين.

ضبط عشرات المخالفات ومحاصيل ملوثة في الأسواق:

وقال مدير زراعة دمشق وريفها زيد أبو عساف لـ “العربي الجديد” إن ضعف الرقابة على الأسواق وصعوبة تتبع مصادر المنتجات يزيدان من احتمال تسرّب المحاصيل المروية بمياه ملوثة إلى التداول التجاري.

وأوضح أنه منذ بداية العام الماضي تم تنظيم 77 ضبطًا بحق مزارعين استخدموا مياه الصرف الصحي غير المعالجة لري نحو 336 دونمًا من الأراضي الزراعية في دمشق وريفها، مشيرًا إلى أن المخالفات شملت محاصيل رعوية وحبوبًا وخضارًا تدخل في الاستهلاك اليومي، من بينها:

1- القمح

2- الشعير الرعوي

3- الفاصولياء

4- الذرة

5- الخس والبقدونس والنعنع

6- السلق والسبانخ

7- الباذنجان والكوسا

وأضاف أن المديرية تعتمد خطة مزدوجة تقوم على الرقابة والتوعية، تشمل حملات إرشاد للفلاحين حول مخاطر الري بمياه الصرف الصحي، إلى جانب جولات ميدانية للجان فنية لمراقبة مصادر المياه، ومعالجة المخالفات فورًا عبر إتلاف المحاصيل وفلاحة الأراضي الملوثة، وتنظيم محاضر ضبط تُحال إلى الجهات القضائية المختصة بالتعاون مع الجمعيات الفلاحية.

ممارسات قديمة تتوسع بفعل الجفاف:

ويؤكد مزارعون في ريف دمشق أن هذه الظاهرة ليست جديدة، إذ تعود إلى تسعينيات القرن الماضي في مناطق مثل صحنايا والقطيفة وخربة الورد، لكنها اتسعت خلال السنوات الأخيرة مع تراجع مصادر المياه النظيفة وخروج عدد كبير من الآبار عن الخدمة.

ويقول المزارع محمد عبد الرحمن من الغوطة الشرقية لـ “العربي الجديد” إن إعادة تأهيل بئر واحدة باتت تتطلب كلفة تفوق قدرة معظم الفلاحين، في ظل ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة، ما يدفع بعضهم لاستخدام مياه الصرف الصحي رغم إدراكهم لمخاطرها الصحية الكبيرة.

تحذيرات صحية من أمراض خطيرة:

من جهتها، حذرت المختصة في الصحة العامة حسناء اليونس من أن استخدام مياه الصرف الصحي غير المعالجة في الري يحمل مخاطر صحية عالية، لاحتوائه على ملوثات عضوية وكيميائية وبكتيريا وطفيليات تنتقل عبر التربة إلى الإنسان.

وأشارت إلى أن استهلاك منتجات ملوثة يرفع احتمالات الإصابة بـ:

1- أمراض معوية حادة

2- التهاب الكبد الوبائي (A)

3- لا سيما في ظل ضعف الرقابة الغذائية وتراجع شروط السلامة الصحية.

خبراء: الحلول الترقيعية غير كافية:

ويرى خبراء زراعيون أن الاكتفاء بتنظيم الضبوط وإتلاف المحاصيل لا يشكّل حلًا جذريًا، مؤكدين ضرورة معالجة أزمة المياه في ريف دمشق عبر:

1- إعادة تأهيل محطات معالجة مياه الصرف الصحي

2- استخدام المياه المعالجة في الري الآمن وفق ضوابط فنية

3- دعم مشاريع حفر الآبار الجماعية

4- تأمين مصادر طاقة أقل كلفة لتشغيلها

كما شددوا على أهمية الإسراع في تنفيذ مشاريع إنشاء وتأهيل محطات معالجة جديدة، محذرين من أن بطء التنفيذ لا يواكب اتساع رقعة الأراضي المتضررة، ويهدد التربة والمياه الجوفية على المدى الطويل.

أزمة بيئية وصحية تهدد المستهلك:

وفي ظل هذا الواقع، لم تعد ظاهرة الري بالمياه الآسنة مجرد مخالفة زراعية، بل تحولت إلى أزمة بيئية وصحية مركبة تمسّ سلامة الغذاء واستدامة الزراعة في محيط العاصمة، وتضع المستهلك أمام خطر غير مرئي يصعب اكتشافه قبل وصوله إلى المائدة.

وفي هذا السياق، رأى الخبير في إدارة الموارد المائية نادر السطوف أن معالجة مياه الصرف الصحي باتت ضرورة ملحّة في ظل التغير المناخي وتراجع الموارد المائية، مشيرًا إلى أن تحويل المياه الملوثة إلى مورد صالح للري يسهم في:

1- خفض التلوث

2- تأمين مصدر مياه مستدام للمزارعين

3- تقليل الضغط على المياه الجوفية

وأكد أن إنشاء محطات معالجة فعّالة يمكن أن يشكّل نموذجًا ناجحًا في مناطق أخرى، شرط ضمان التشغيل المستدام والمتابعة الفنية ودعم المجتمعات المحلية.

إقرأ أيضاً: أزمة الصرف الصحي في بيادر نادر بدمشق: معاناة مستمرة ووعود بلا حلول

إقرأ أيضاً: أزمة الأمن الغذائي في سوريا: الزراعة بين التراجع والحلول المؤجّلة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.