أزمة رواتب خانقة في سوريا: تفاوت الأجور يضرب العدالة الوظيفية داخل المؤسسات الحكومية
في وقت يُفترض أن تدخل فيه سوريا مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس من العدالة والكفاءة، تتفاقم أزمة الرواتب في القطاع العام لتتجاوز ضعف الأجور وانهيار قدرتها الشرائية، وصولًا إلى تفاوت صارخ في الرواتب داخل المؤسسة الواحدة، حتى في الإعلام الرسمي.
ويأتي ذلك في ظل تضخم مزمن وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، جعل الرواتب غير قادرة على تغطية الاحتياجات الأساسية من غذاء وكهرباء ونقل وطبابة وإيجارات، ما يعكس أزمة اقتصادية واجتماعية مركبة تضرب الاستقرار المعيشي والنفسي للموظفين.
رواتب بالدولار وأخرى بالليرة داخل المؤسسة نفسها:
خلال الأشهر الماضية، تصاعدت شكاوى موظفين وصحفيين في مؤسسات حكومية بسبب تقاضي فئات محددة رواتب بالدولار الأميركي، مقابل الغالبية التي لا تزال تتقاضى رواتب بالليرة السورية لا تتجاوز قيمتها 100 دولار شهرياً.
ويجري ذلك من دون تعليمات رسمية أو معايير واضحة، ما أثار جدلًا واسعًا حول العدالة الوظيفية وكفاءة التوظيف، خصوصًا في الإعلام الرسمي، حيث يعمل موظفون قدامى برواتب متدنية، في مقابل تعيين موظفين جدد بأجور أعلى بكثير.
خلل بنيوي في إدارة الموارد البشرية:
يقول جمال الزعبي، موظف في قطاع المالية، في حديثه لـ”963+”، إن أزمة الرواتب تحولت إلى خلل بنيوي في إدارة الموارد البشرية، نتيجة غياب سياسة عادلة وواضحة بعد سقوط النظام.
ويضيف أن تفاوت الرواتب داخل المؤسسة الواحدة وبعملات مختلفة خلق شرخًا عميقًا في مفهوم العدالة، مشيرًا إلى أن تقاضي موظفين جدد رواتب تتراوح بين 400 و800 دولار، مقابل موظفين أمضوا أكثر من 15 عامًا برواتب تقل عن 100 دولار، يُعد ظلماً واضحاً.
ويحذّر الزعبي من أن تجاهل سنوات الخبرة والتدرج الوظيفي يهدد الثقة بين الموظف والدولة، ويدفع نحو الهجرة أو العمل الموازي أو الاستقالة الصامتة، داعيًا إلى إعادة هيكلة سلم الرواتب على أسس تربط الأجر بالمسؤولية والخبرة.
الإعلام الرسمي.. توقيت التعيين بدل الخبرة:
من جهتها، تقول ندى، صحافية في جريدة الثورة الرسمية فضّلت عدم الكشف عن اسمها الحقيقي لـ”963+”، إن التفاوت في الرواتب داخل الإعلام الحكومي بات من أكثر القضايا إيلاماً للصحفيين القدامى.
وتوضح أن صحفيين يعملون منذ أكثر من 15 عامًا يتقاضون رواتب لا تتجاوز قيمتها الفعلية 100 دولار، بينما يحصل زملاء جدد على رواتب بالدولار تصل إلى 300 و400 دولار، وأحيانًا أكثر.
وتؤكد أن المشكلة ليست في تحسين رواتب الجدد، بل في غياب معايير عادلة وشفافة، معتبرة أن مكافأة توقيت التعيين على حساب سنوات الخبرة تقوّض العدالة المهنية، وتخلق انقسامًا داخل غرف التحرير.
الصمت خوفاً من الاتهام:
تشير ندى إلى أن كثيرًا من الصحفيين باتوا يتجنبون المطالبة بحقوقهم، خوفًا من الوصم السياسي أو التشكيك بتاريخهم المهني، ما يخلق مناخًا خانقًا داخل المؤسسات.
وتؤكد أن الإعلام الرسمي لن يستعيد دوره أو ثقة كوادره من دون معالجة جذرية وشفافة لملف الرواتب.
قطاع الاتصالات.. ضغط نفسي واجتماعي متزايد:
بدورها، تقول بتول الأحمد، موظفة في قطاع الاتصالات، إن التفاوت في الرواتب لم يعد مسألة مالية فقط، بل تحول إلى ضغط نفسي واجتماعي يومي.
وتشير إلى أن موظفين يعملون في القسم نفسه ويتحملون المسؤوليات ذاتها يتقاضون رواتب متفاوتة بشكل حاد، ما يفقد الكثيرين الإحساس بقيمة عملهم والانتماء للمؤسسة.
العدالة في الرواتب شرط بقاء المؤسسات:
تجمع شهادات الموظفين على أن العدالة في الأجور ليست مطلبًا ثانويًا، بل شرطًا أساسيًا لبقاء المؤسسات العامة وقدرتها على الاستمرار في خدمة المجتمع.
ويحذّر مراقبون من أن استمرار التفاوت الحاد في الرواتب داخل المؤسسة الواحدة، وبعملات مختلفة، يهدد الاستقرار الوظيفي ويقوّض الثقة الداخلية، ويؤثر سلبًا على جودة الأداء، خاصة في قطاعات حساسة كالإعلام والاتصالات والمالية.
أزمة تتجاوز الأرقام:
تكشف أزمة الرواتب في سوريا عن خلل عميق في العلاقة بين الموظف والدولة، حيث يؤدي تجاهل الخبرة والتدرج الوظيفي إلى إرسال رسالة مفادها أن الالتزام طويل الأمد لا قيمة له.
وفي مرحلة يفترض أنها انتقالية وتأسيسية، تصبح معالجة ملف الرواتب أولوية عاجلة، تتطلب سياسة شفافة تعيد الاعتبار لمبدأ العدالة، وتربط الأجر بالخبرة والمسؤولية، باعتبار ذلك المدخل الحقيقي لبناء مؤسسات دولة مستقرة وقادرة على الاستمرار.
إقرأ أيضاً: الرواتب في القطاع العام السوري: فجوات الأجور تختبر المرحلة الانتقالية