كيف تحولت أحلام السوريين إلى جبهات ضد بعضهم البعض؟

لطالما تغنّى السوريون طوال سنوات بشعار “الشعب السوري واحد”، وهو الشعار الذي كان المحرّك العاطفي لصناعة أمل بمستقبلٍ لدى السوريين

لكن اليوم استيقظت سوريا على حقيقة مُرّة؛ فالبلاد لا تواجه خطر التفكك الجغرافي فحسب، بل تواجه “تفككاً هوياتياً” واجتماعياً يعيد رسم خارطة الولاءات على أسس مناطقية وأيديولوجية وفصائلية، مما يضع “وحدة المصير” على المحك.

صدام الهويات: “المدينة” في مواجهة “زحف الريف والبادية”

خلف واجهة النصر، يغلي الشارع السوري بانقسام سوسيولوجي حاد.

في دمشق وحلب مثلاً، برز استياء مكتوم من تغلغل أبناء محافظتي إدلب ودير الزور في مفاصل الحياة اليومية والإدارية.

يشعر سكان الحواضر الكبرى بنوعٍ مما يمكن وصفه بـ”الاستلاب الثقافي”، حيث يرى البعض أن تغلغل النفوذ القادم من “الأطراف” فرض نمطاً اجتماعياً وأيديولوجياً لا يشبه طبيعة الحواضر المدنية، مما خلق صداماً بين “قيم المدينة” و”عصبية الفصيل والمنطقة”، وهذا الشرخ الاجتماعي أخذ بالاتساع وسط غياب أي رؤية أو مقاربة حكومية لردم هذه الهوة والحؤول دون انزلاق المجتمع إلى مواجهات جانبية، إضافة إلى مشاكله الجوهرية التي يعاني منها في الأساس.

كما تحوّل الاستياء إلى غضب مع سيطرة شبكات تجارية محسوبة على قوى قادمة من الشمال والشرق على العقارات والأسواق، مما عمّق الشعور بأن المدينة باتت “محتلة إدارياً” من قبل أبناء محافظات أخرى، وتزداد خطورة هذا العامل مع الأوضاع الاقتصادية السلبية التي تواجهها البلاد وتدني المعايير المعيشية للمواطنين السوريين، وفشل الحكومة في تقديم رؤية شاكلة للنهوض بالواقع الاقتصادي.

تصدّع “رأس الهرم”: حكم الأجنحة المتصارعة

ليس الشعب وحده من انقسم، بل إن السلطة الجديدة في دمشق تعيش حالة من “التشظي البنيوي”. فلم يعد الحكم كتلة واحدة، بل أجنحة تتجاذب القرار والسلطات والثروات:

فمن صراع الشرعيات، حيث ينقسم الحكم بين تيار “الشرعية الثورية” الذي يرى في البندقية والولاء الفصائلي معياراً وحيداً للمناصب، وبين تيار “التكنوقراط” الذي يحاول الحفاظ على مؤسسات الدولة من الانهيار.

إلى الاختلاف الأيديولوجي، حيث يدور خلف الكواليس صراع شرس حول هوية الدولة؛ فبينما يضغط جناح “هيئة تحرير الشام” لصبغ الدولة بصبغة شرعية صارمة، تدافع أطراف أخرى داخل الحكم عن رؤية مدنية تخشى العزلة الدولية.

“مركزية إدلب” وتهميش الجغرافيا السورية

أدّى اعتماد السلطة الجديدة على قيادات “حكومة الإنقاذ” المنحدرة من إدلب إلى خلق “مركزية جديدة” لا تقل حدّة عن مركزية النظام السابق.

وهناك ظاهرة إقصاء المحافظات التي تشعر بأنها خرجت من تهميش لتقع في آخر، حيث تُدار مفاصل الدولة بعقليات ومحسوبيات “إدلبية” بحتة، مما يعزّز النزعات المناطقية ويضعف الانتماء للدولة المركزية.

ألغام العدالة والطائفية

لا يزال الانقسام حول “العدالة الانتقالية” يمثّل العائق الأكبر أمام السلم الأهلي.

ينقسم الشارع بين مطالب بـ”تطهير جذري” قد ينزلق لتصفيات طائفية ومناطقية، وبين منادٍ بمصالحة تحمي هيكل الدولة.

هذا الفرز جعل “الموقف من النظام السابق” تهمة جاهزة تُستخدم لتصفية الحسابات الشخصية والمناطقية، مما أبقى النفس الطائفي حيّاً تحت الرماد.

الاقتصاد كأداة للفرز

زاد التدهور المعيشي من حدّة الانقسامات؛ حيث يرى السوريون أن الثروات والموارد لا تُوزّع بعدالة، بل تُستخدم كـ”غنائم حرب” تسيطر عليها أجنحة داخل الحكم، مما جعل الولاء السياسي مرتبطاً بمدى القرب من “أمراء الحرب الجدد” أو الانتماء لمناطق نفوذهم.

مخاوف “الجمهوريات الصغيرة”

إن ما كشفته دراسات إعلامية وأكاديمية يؤكد أن سوريا اليوم تعيش أزمة “عقد اجتماعي”. لقد سقط النظام، لكن “الدولة” لم تنهض بعد؛ لأنها غارقة في صراع الهويات الصغرى.

إن انزعاج أهل المدن من تغلغل القوى القادمة من الأطراف، وتصارع الأجنحة داخل الحكم، ليس إلا دليلاً على أن “الثورة” لم تتحول بعد إلى “دولة مواطنة”.

إن التحدي الحقيقي ليس في إدارة دمشق، بل في إقناع السوريين بأنهم شركاء وليسوا “منتصرين ومنكسرين”، وبأن الكفاءة السورية يجب أن تعلو فوق المنشأ الجغرافي، وإلا فإن “الشعب الواحد” قد ينتهي به المطاف في “جمهوريات مناطقية” يحكمها الخوف والضغينة.

 

اقرأ أيضاً:السوريون… هل ما زالوا يشبهون أنفسهم؟

اقرأ أيضاً:سوريا في 2025: تحديات الأمن والاقتصاد والخطاب الطائفي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.