بين الدخل الهزيل وكلفة التدفئة المرتفعة… الشتاء يتحول إلى معركة يومية
مع اقتراب الشتاء في سوريا، يجد ملايين السوريين أنفسهم أمام تحديات معقدة لتأمين مستلزمات التدفئة، في ظل فجوة متسعة بين مستوى الدخل وتكاليف الحياة اليومية. فمتوسط راتب الموظف الحكومي، بعد الزيادة الأخيرة، لا يتجاوز مليوناً و200 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يبدو بعيداً عن تغطية الاحتياجات الأساسية، فضلاً عن تكاليف الوقود المرتفعة.
ورغم إعلان وزارة الطاقة تخفيض سعر لتر المازوت إلى ما يعادل 0.85 دولار أميركي (نحو 9,950 ليرة سورية)، فإن هذا الإجراء لم يغير كثيراً في معادلة شديدة الاختلال. فأسرة تعتمد على مدفأة واحدة تحتاج إلى نحو 200 ليتر شهرياً، أي ما يقارب 170 دولاراً، وهو ما يتجاوز بكثير متوسط الدخل الشهري لغالبية الأسر.
فجوة لا يمكن ردمها بالدخل الحالي
هذا الواقع ينعكس مباشرة على أنماط عيش السوريين. فمع ارتفاع تكاليف الكهرباء وتراجع القدرة الشرائية، تضطر الأسر إلى اتخاذ قرارات صعبة بين التدفئة والغذاء والتعليم والدواء.
أم سامر دعاس، وهي أم لثلاثة أطفال تعيش في حي كفرسوسة بدمشق وتعمل في الخياطة المنزلية، تقول لـ”الحل نت” إن الشتاء بات موسماً مرهقاً يتطلب حسابات دقيقة. تضيف:
“الشتاء الماضي كنا نشتري مازوت من السوق السوداء ونخلطه بالحطب لتدفئة البيت. الأطفال كانوا يتألمون من البرد. هذا العام سأحاول تقسيم الكميات على أشهر الشتاء حتى لا أتعثر مادياً”.
وطالبت أم سامر بتوفير قسائم مازوت تراعي عدد أفراد الأسرة، إلى جانب رقابة حكومية جدية للحد من الاحتكار وارتفاع الأسعار في السوق.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو 3.7 ملايين سوري يعيشون على أقل من 3 دولارات يومياً، فيما ارتفع معدل الفقر على خط 4.20 دولار إلى 48.1 بالمئة في عام 2025. أما متوسط حاجة الأسرة السورية شهرياً فيتراوح بين 9 و12 مليون ليرة، مقابل دخل لا يتجاوز 3.5 ملايين، أي أن عجز الدخل يبلغ نحو 60 بالمئة وسطياً.
زيادة الرواتب… خطوة غير كافية
الأزمة المعيشية المتفاقمة دفعت العديد من الخبراء للتحذير من أن تعديل الرواتب الأخير غير قادر على سد الفجوة المتسعة. الخبير الاقتصادي الدكتور سامر العلي يقول لـ”الحل نت”:
“الفجوة بين الدخل وتكاليف التدفئة ضخمة. خفض سعر المازوت كان خطوة نظرية جيدة، لكنه لم يتحول إلى واقع فعلي لدى كل الأسر. الحل يحتاج إلى تدخل حكومي مباشر في التوزيع، وتقديم دعم مالي للأسر الأكثر فقراً”.
وأشار العلي إلى أن غياب الدعم المنظم يدفع الأسر إلى استخدام وسائل تدفئة بديلة أقل كفاءة وربما خطرة، مثل الحطب أو الأجهزة الكهربائية الرديئة، الأمر الذي يزيد من المخاطر الصحية والحوادث المنزلية، ويضيف ضغطاً جديداً على المرافق الصحية.
شتاء مرهق… وقرارات صعبة يومياً
أمام هذه الظروف، تتجه الكثير من الأسر إلى تخفيض ساعات تشغيل التدفئة أو إطفائها في بعض الغرف، والاعتماد على توزيع محدود للوقود طوال الموسم. هذا “التكيف القسري” كما يسميه مختصون، يحوّل الشتاء في سوريا إلى عبء مزدوج: مالي وصحي.
وتؤكد المعطيات أن الشتاء في سوريا لم يعد مجرد فصل بارد، بل أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة الأسر على الصمود، في ظل ارتفاع تكاليف التدفئة وغياب حلول حكومية مستدامة. بينما تبقى متابعة السوق، وضبط الأسعار، وتوفير دعم فعلي للوقود، عوامل أساسية للتخفيف من الضغوط المتراكمة على المواطن السوري.
اقرأ أيضاً:الحسكة بلا كهرباء منذ ثمانية أشهر.. ومعاناة الأهالي تتفاقم مع حلول الشتاء