معهد دراسات الحرب الأمريكي: تحديات بناء الجيش السوري الجديد بعد سقوط نظام الأسد
مع دخول سوريا مرحلة سياسية مفصلية عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، يعمل الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على إنشاء جيش سوري جديد يشكّل العمود الفقري للدولة خلال المرحلة الانتقالية، وفق دراسة حديثة أصدرها معهد دراسات الحرب الأمريكي (ISW).
إقرأ أيضاً: “الشيخ” يحلّ محل “المدير” و“الضابط” في مؤسسات الحكومة السورية بعد سقوط النظام
مشروع الجيش الجديد: محاولة لبناء قوة مهنية موحّدة:
تشير الدراسة إلى أن الشرع يسعى لتأسيس قوة عسكرية احترافية خاضعة للسلطة المدنية، قادرة على حماية جميع السوريين دون تمييز عرقي أو طائفي، معتبرة أن بناء جيش بهذه المواصفات هو شرط أساسي لتحقيق استقرار دائم بعد أكثر من 13 عاماً من الحرب.
لكن الدراسة تحذر من أن مشروع الجيش يواجه عقبات معقدة، أبرزها:
1- دمج الفصائل المسلحة المتنافسة.
2- رفع مستوى الاحتراف والانضباط العسكري.
3- التعامل مع تهديدات أمنية مستمرة في أنحاء البلاد.
دمج الفصائل: عقبة أمام مركزية الدولة:
يعمل الشرع، وفق المعهد، على توسيع سيطرة الحكومة الانتقالية على الأرض من خلال احتواء مختلف الفصائل المسلحة، في نهج يشبه أسلوب إدارة هيئة تحرير الشام لإدلب في السنوات الأخيرة من الحرب.
لكن هذه الجهود تصطدم، بحسب الدراسة، بوجود مراكز قوى متعددة داخل البلاد، وبمقاومة فصائل غير سنية – بما في ذلك الأكراد والدروز – التي ترفض الاندماج وفق الشروط المقترحة حالياً، وتطالب بضمانات تتعلق بالحماية أو الحكم الذاتي.
وفي خطوة إيجابية محدودة، توصّلت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى اتفاق لدمج أجزاء من قسد ضمن ثلاث فرق عسكرية جديدة وألوية عمليات خاصة. إلا أن عملية الدمج ما تزال في بدايتها وغير واضحة المعالم.
الاحتراف العسكري: تحدّي ضبط الوحدات الموروثة من الحرب:
وفق ISW، اعتمدت وزارة الدفاع الانتقالية على دمج ميليشيات نشطت خلال الحرب، بعضها متهم بارتكاب انتهاكات طائفية. هذا الدمج السريع جاء لسد الحاجة إلى وحدات جاهزة للانتشار، لكنه أدى إلى:
1- ضعف سيطرة الوزارة على بعض التشكيلات.
2- ارتكاب انتهاكات جديدة خلال عمليات الانتشار.
3- تراجع ثقة المجتمعات المحلية بالحكومة الانتقالية.
وتشير الدراسة إلى ضرورة إبعاد القيادات المسيئة أو ذات الخلفية الطائفية، رغم احتمال تسبب ذلك بخلافات سياسية.
التهديدات الأمنية: موازنة بين الاستقرار والاحتراف:
ما تزال سوريا تواجه طيفًا واسعًا من التهديدات، أبرزها:
1- خلايا تنظيم داعش
2- فصائل محلية مسلحة
3- شبكات تهريب وجريمة منظمة
4- توترات مجتمعية بعد سنوات الحرب
وترى الدراسة أن اعتماد الشرع على قادة موالين سابقين ساعد في مواجهة التهديدات الفورية، لكنه قد يعيق بناء مؤسسة عسكرية مهنية مستدامة.
قيود رئيسية تواجه الشرع في بناء الجيش الجديد:
تكشف الدراسة ثلاثة عوامل تحدّ من مشروع إعادة الهيكلة العسكرية:
1- الإرث الأيديولوجي السابق للشرع وارتباطه بتنظيم القاعدة في مراحل سابقة، رغم تخليه عن تلك التوجهات.
2- الاعتماد على المعارضة السنية في التشكيلات الجديدة، ما يعزز الشعور لدى الأقليات بأن الجيش غير شامل.
3- انعدام الثقة بين المكوّنات السورية بسبب الانتهاكات التي ارتكبتها الفصائل المسلحة قبل وبعد سقوط نظام الأسد، ما يدفع جماعات مثل الأكراد والدروز إلى تنظيم نفسها على أسس عرقية أو دينية.
قيادة تحويلية… ما تحتاجه سوريا لتفادي صراع جديد:
ترى الدراسة أن سوريا تحتاج إلى قيادة قادرة على اتخاذ قرارات جذرية، مثل:
1- تفكيك الوحدات المسيئة
2- إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية
3- بناء مؤسسة عسكرية مهنية بعيدة عن الانقسامات العرقية والطائفية
وتقارن الدراسة الوضع الحالي في سوريا بالتجربة الأمريكية في العراق، مؤكدة أن بناء جيش وطني مهني يتطلب دعماً سياسياً خارجياً واسعاً، إلا أن سوريا اليوم لا تملك الموارد التي توفرت للعراق قبل 15 عاماً.
الدور الأمريكي: توصيات استراتيجية لواشنطن:
يوصي معهد دراسات الحرب الحكومة الأمريكية بأن تبني سياستها تجاه سوريا على سلوك الحكومة الجديدة وليس تصريحاتها، مع التركيز على:
1- دعم إنشاء جيش وطني شامل يمثل كل السوريين.
2- الضغط لمحاسبة الوحدات المتورطة في انتهاكات.
3- الحدّ من نفوذ التشكيلات المسلحة غير المنضبطة.
4- تشجيع دمج وحدات كردية ودروز ضمن الجيش الجديد.
5- الضغط على تركيا لوقف دعم الفصائل المتهمة بارتكاب انتهاكات.
وتؤكد الدراسة أن نجاح الجيش السوري الجديد سيكون العامل الحاسم في تحديد مستقبل البلاد ومنع عودة الصراع الداخلي.
إقرأ أيضاً: دمج قسد بالجيش السوري الجديد: دير الزور محطة الاختبار الأولى لاتفاق آذار/مارس