دراسة ترصد تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضد النساء في المنصات الرقمية السورية
كشف تقرير صادر عن منظمة “سين للسلم الأهلي” بعنوان “خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوري 2025” عن توسّع ملحوظ في انتشار خطاب الكراهية عبر المنصات الرقمية السورية، مترافقاً مع تصاعد استخدام عبارات التحقير التي تُسهّل تقبّل العنف وتبسيط مسألة قتل الآخرين.
تحليل واسع للمنصات الرقمية
وبحسب التقرير، الذي أعدّته منظمة “سين للسلم الأهلي”، تم تحليل أكثر من 24 ألف منشور، تبيّن أن 5031 منشوراً منها تتضمن خطاب كراهية، أي ما يعادل نحو 20% من إجمالي المحتوى.
وشملت العيّنة خمس منصات هي قناة “زينو ياسر المحاميد” وقناة “شبكة جبال العلويين” على “تلغرام”، إضافة إلى شبكة SNA وصفحة “عمر التلاوي” وصفحة “وحيد يزبك” على “فيسبوك”.
وتراوح عدد المتابعين لهذه الصفحات والقنوات بين 25 ألفاً و691 ألف مشترك، فيما لوحظ تزامن ارتفاع خطاب الكراهية مع أحداث عنف طائفي، أبرزها مجازر آذار 2025 في الساحل وتموز 2025 في السويداء.
لغة نزع الإنسانية وتصعيد التحريض
أظهر التقرير اعتماد هذه المنصات على خطاب نزع الإنسانية، من خلال استخدام أوصاف حيوانية أو غير بشرية بحق الفئات المستهدفة، بما يسهم في تهيئة بيئة تقبل العنف ضدها. كما وثّق تكرار مصطلحات مثل “الطائفة المكبسية” و”العلووولووو” و”بني سمية”، حيث تم تسجيل استخدام أحد الأوصاف بحق الدروز 511 مرة خلال ثمانية أشهر على قناة واحدة، في حين تكرر مصطلح “الفاشية السنية” 1403 مرات على قناة أخرى.
وأشار التقرير إلى أن هذا الخطاب لم يكن عفوياً، بل اتسم بطابع ممنهج يقوم على تصوير جماعات كاملة كـ “طابور خامس” أو “خطر وجودي”، بما يعزز خطاب التخوين ويغذي النزعات الإقصائية.
استهداف ممنهج للنساء
وسلّط التقرير الضوء على تصاعد العنف الرقمي ضد النساء، لا سيما الناشطات والصحفيات، حيث تم توثيق حملات تشهير ذات طابع جنسي، وتهديدات بالاغتصاب، إضافة إلى ترهيب عائلي منظم.
ووفقاً للتقرير، أدت هذه الضغوط في بعض الحالات إلى اضطرار عائلات لإغلاق حسابات النساء المستهدفات بشكل نهائي.
كما بيّن أن هذا النوع من التحريض الجندري يُستخدم كأداة لإقصاء النساء من الفضاء العام، عبر السخرية الجنسية ونشر الشائعات المرتبطة بالشرف والسلوك الشخصي، إلى جانب تداول صور مفبركة أو مجتزأة من سياقها بهدف الابتزاز. وترافقت هذه الممارسات مع رسائل تهديد مباشرة، ما أدى إلى خلق بيئة ردع ترفع كلفة مشاركة النساء في الشأن العام وتحرمهن فعلياً من الحماية.
خطاب الكراهية كأداة لزيادة التفاعل
وفي جانب آخر، أوضح التقرير أن بعض القنوات، وفي مقدمتها قناة “زينو ياسر المحاميد” على “تلغرام”، اعتمدت نشر مقاطع عنيفة مرتبطة بالمجازر إلى جانب خطاب تحريضي، بهدف تحقيق نمو سريع في عدد المتابعين والمشاهدات.
ولفت إلى أن هذا النمط يتم تكراره مع كل توتر أمني أو عسكري.
وأشار التقرير إلى أن هذه القناة، التي تستخدم شعاراً خاصاً ضمن مقاطعها، تحوّلت لاحقاً إلى مصدر اعتمدت عليه وسائل إعلام دولية مثل “CNN Turk” والقناة 14 العبرية، ما يمنح محتواها، بما فيه من خطاب كراهية مبطّن، نوعاً من “المشروعية الزائفة”.
توصيات قانونية ومطالبات بالمساءلة
وفي ختام التقرير، دعت منظمة “سين للسلم الأهلي” إلى اتخاذ إجراءات قانونية واجتماعية عاجلة، من بينها تفعيل المساءلة الجنائية الدولية، واعتماد “بروتوكول بيركلي” لحفظ الأدلة الرقمية، تمهيداً لملاحقة القائمين على هذه المنصات بتهم التحريض على الإبادة أو ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
كما أوصى التقرير بضرورة إعداد مسودة قانون وطني يجرّم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والمناطقي، مع وضع تعريف واضح يميّز بين حرية التعبير وخطاب العنف. وطالب في الوقت ذاته شركات التكنولوجيا، مثل “ميتا” و”تلغرام”، بتطوير خوارزمياتها بما يمكّنها من فهم اللهجات السورية والمصطلحات المحلية المستحدثة وحظرها.
وأشار التقرير إلى غياب نصوص قانونية صريحة في التشريعات السورية تعرّف خطاب الكراهية وفق المعايير الدولية، والاكتفاء بمصطلحات عامة، إضافة إلى ضعف آليات إنصاف الضحايا وغياب تدابير احترازية مثل أوامر الحظر أو الغرامات التصاعدية. وشدّد على ضرورة تطوير إطار قانوني يجرّم نزع الإنسانية والتحريض القائم على ما وصفه بـ “الميثولوجيا السوداء”، بما يضمن توافق القوانين السورية مع المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
اقرأ أيضاً:سوريا: جرائم القتل العائلية تدق ناقوس الخطر.. هل انهار جدار الأمان الأسري؟
اقرأ أيضاً:لجنة التحقيق في أحداث السويداء: 1760 ضحية واعتراف بانتهاكات فردية للأمن